ومن هنا لم يُيِح الشرع أَنْ يُؤْمن بعضُ الناس ببعض الأركان دون بعضٍ، وأَوْجَبَ الشرعُ الإيمانَ التامَّ بجملةِ أركان الإيمان، وفي الآيات السابقة ما يدلُّ بوضوحٍ على أنَّ تَرْك بعض الأركان أو جحده، أو الاستهزاء به يُعَدُّ نقضًا لعُرَى الإيمان، وهدمًا لكلِّ أركانه.
فإذا تقرَّر ذلك: فاعلم رحمك الله أنَّ الاستهزاء بكتاب الله - عز وجل - يُعَدُّ هدمًا لكل أركان الإيمان، واستهزاءً بجميع أجزائه، ولا نزاع في كفرِ مَن تَعَاطَى ذلك بين أحدٍ من أهل القِبْلة.
وقد نصَّت الآيات السابقة على كفر صاحب هذا الحال حقًّا، وتوعَّدَتْهُ بالخزي والعذاب المهين.
وقال الدكتور محمود مزروعة حفظه الله:
«والذي نعتقده ونؤمن به جميعًا - ولا يخالف فيه أحدٌ مِن المؤمنين - أنَّ مَن فرَّقَ بين أمرٍ للهِ وأمرٍ آخر؛ فقد آمَنَ ببعض الكتاب وكفر ببعض، وهذا كفرٌ، مَن فرَّق بين أقيموا الصلاة واقطعوا يد السارق، أو اجلدوا الزانية والزاني؛ فقد بَرِئَتْ منه ذمة الله وذمة رسوله وذمة المؤمنين [1] » أهـ
وحكم الدكتور مزروعة على من فعل ذلك بكونه قد «خرجَ عن الملَّة» .
فمن استهزأ بفرعٍ من الإِيمان عاد ذلك على الإيمان كلِّه، وحَكَمَ فاعلُه على نفسِه بالخروج مِن ملَّةِ الإسلام؛ وهذا ظاهرٌ جدًّا.
(1) انظر: «أحكام الرِّدة والمرتدين من خلال شهادتي الغزالي ومزروعة» د. محمود مزروعة رئيس قسم العقيدة بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر (ص/259) .