فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 213

فإنَّ الكلامَ في الصفات فرعٌ على الكلام في الذات، فإذا كانت ذاته لا تُشبه ذوات المخلوقين؛ فصفاتُ الخالق لا تُشبه صفات المخلوقين» [1] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فقول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب؛ موافق لقول الباقين: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا عِلْم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فَهْمٍ لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، ولما قالوا: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف، فإن الاستواء حينئذٍ لا يكون معلومًا بل مجهولا بمنزلة حروف المعجم، وأيضًا فإنَّه لا يحتاج إلى نفي عِلْم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنىً، وإنما يحتاج إلى نفى علم الكيفية إذا أُثْبِتَتِ الصفات، وأيضًا فإنَّ مَنْ ينفي الصفات الخبرية أو الصفات مطلقًا لا يحتاج إلى أن يقول: بلا كيف، فمن قال: إن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف، وأيضًا فقولهم: أَمِرُّوها كما جاءت يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أَمِرُّوا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أَمِرُّوا لفظها مع اعتقاد أنَّ الله لا يُوصف بما دَلَّتْ عليه حقيقةً، وحينئذٍ فلا تكون قد أُمِرَّتْ كما جاءت، ولا يقال حينئذٍ: بلا كيف؛ إذ نفي الكيف عمَّا ليس بثابتٍ لغوٌ مِنَ القولِ» [2] .

فظهر أنَّ المراد نفي عِلْم الكيفية لا نفي الوجود والإثبات.

وعلى هذا جَرَى سلفُ الأمة وخلفها، فأثبتوا لله - عز وجل - ما أَثْبتَهُ لنفسِه، وما أثبتَهُ له نبيُّهُ - صلى الله عليه وسلم - من صفاتٍ، وأقرُّوا بها، دون سؤالٍ عن كَيْفٍ لها، أو بحثٍ عن حقيقةٍ لبعض صفاته، وقالوا في ذلك كله: صفات الخالق لا تُشبه صفات أحدٍ من المخلوقين، فلا شبيه ولا نظير ولا ندّ ولا مثيل له - سبحانه وتعالى -، لا في ذاته ولا في صفاته، والكلام في حقيقة الصفات فرعٌ على الكلام في حقيقة الذات الإلهية، ولا يعلم حقيقة ذاته - جل جلاله - إلاَّ هو؛ فكذلك صفاته لا يعلم حقيقتها إلا هو تبارك وتعالى.

ولذا قال السلف - رضي الله عنهم: «ما جاء في الصفات في كتاب الله تعالى أو رُوِيَ بالأسانيد الصحيحة؛ فمذهب السلف رحمة الله عليهم: إثباتها، وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها؛ لأن الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذات، وإثبات الذات إثبات وجودٍ، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات، وعلى هذا مضى السلف كلهم» [3] .

(1) «فتاوى» ابن تيمية (3/ 25) ، و «التحفة المدنية في العقيدة السلفية» لحمد بن ناصر (ص/48 - 49) .

(2) «الفتاوى» (5/ 41 - 42) ، وانظر منه: (5/ 365) .

(3) «ذم التأويل» لابن قدامة (رقم/40) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت