ومن هنا جاء عن كثيرٍ من السلف قولهم في آيات الصفات: «أَمِرُّوها كما جاءت» ؛ يعني: دونَ بحثٍ في كيفيتها، أو تشبيه الخالق بالمخلوق في شيء من صفاته، فهو - سبحانه وتعالى - لا مثيل له، ولا ندّ له، ولا نظير له، ولا يُشبه أحدًا من مخلوقاته لا في أفعاله، ولا في صفاته، تقدَّس ربنا عن ذلك كله، كما قال تعالى: {ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير} [الشورى:11] ، فأثبتَ - سبحانه وتعالى - السمع والبصر، ونفى المثيل والشبيه له في كل شيءٍ.
وعلى هذا الأصل تواطأ السلف والخلف، وهو سبيل المؤمنين الذي لا يجوز لأحدٍ خلافه، ولا الخروج عنه.
ذَكَرَ الإمام الترمذي رحمه الله حديثَ أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ وَيَاخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا لِأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ، حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ - عز وجل: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَاخُذُ الصَّدَقَاتِ} [التوبة:104] ، وَ {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة:276] » .
ثم قال الترمذيُّ [1] :
«هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ [2] ، وقد رُوِيَ عن عائشةَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - نحوَ هذا وقد قال غيرُ واحدٍ مِن أهلِ العِلمِ في هذا الحديثِ وما يُشْبِهُ هذا مِن الرِّواياتِ مِن الصِّفاتِ ونُزُولِ الرَّبِّ تبارك وتعالى كُلَّ ليلةٍ إلى السَّمَاء الدُّنيا قالُوا: قدْ (ثَبَتَتِ) [3] الرِّوَايَاتُ في هذا، ويُؤْمَنُ بها، ولا يُتَوَهَّمُ ولا يُقالُ كيفَ، هكذا رُوِيَ عن مالكٍ وسُفيانَ بنِ عُيَيْنَةَ وعبدِ اللّهِ بنِ المُباركِ أنّهُم قالُوا في هذه الأحاديثِ: أمِرُّوها بلا كيفٍ، وهكذا قولُ أهلِ العِلمِ مِن أهلِ السُّنّةِ والجماعةِ، وأمّا الجَهْمِيَّةُ فَأَنْكَرَتْ هذِهِ الرِّواياتِ وقالُوا: هذا تشْبِيهٌ، وقد ذكر اللّهُ - عز وجل - في غيرِ موضِعٍ مِن كِتابهِ اليدَ والسّمعَ والبصرَ؛ فَتَأَوَّلَت الجَهْمِيَّةُ هذِهِ الآياتِ فَفَسَّرُوهَا على غيرِ ما فَسَّرَ أهلُ العِلمِ، وقالُوا [4] : إِنّ اللّه لم يخلُق آدمَ بِيدِهِ وقالُوا: إِنّ معنى اليدِ هاهُنا: القُوّةُ.
(1) في «الجامع» (662) .
(2) وقد رواه البخاري (1410) ، ومسلم (1014) .
(3) وقع في المطبوع من «الجامع» للترمذي: «تَثْبُتُ» ـ كذا؛ فلْيُصْلَحْ.
(4) يعني: الجهمية قاتلهم الله.