وقال إِسحقُ بنُ إِبراهِيمَ [1] : إِنَّما يكُونُ التَّشْبِيهُ إِذا قال: يَدٌ كَيَدٍ، أو مِثلُ يَدٍ، أو سَمعٌ كَسَمعٍ، أو مِثلُ سَمعٍ، فإذا قال: سَمعٌ كَسَمعٍ أو مِثلُ سَمعٍ فَهَذَا التَّشبِيهُ، وَأَمَّا إِذا قال: كما قال اللّهُ تعالى: يَدٌ وَسَمعٌ وَبَصَرٌ ولا يقُولُ كَيفَ ولا يقُولُ: مِثلُ سَمعٍ ولا كسَمعٍ فهذا لا يكُونُ تَشبِيهًا، وهُو كما قال اللّهُ تعالى فِي كِتابهِ: {لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11] ».
قال الإمام الذهبيُّ رحمه الله:
«وروى يحيى بن يحيى التميمي وجعفر بن عبد الله وطائفة قالوا: جاء رجلٌ إلى مالكٍ؛ فقال: يا أبا عبد الله {الرحمن على العرش استوى} [طه:5] كيف استوى؟ قال: فما رأيتُ مالكًا وَجَدَ [2] مِن شيء كموجدته من مقالته، وعلاهُ الرحضاء ـ يعني: العرق ـ وأَطْرَقَ القومُ، فسُرِّيَ [3] عن مالكٍ؛ وقال: الكيفُ غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن تكون ضالاًّ، وأَمَرَ به فأُخْرِجَ» [4] .
قال الذهبيُّ رحمه الله:
«هذا ثابتٌ عن مالك [5] ، وتقدَّم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل السنة قاطبة؛ أنَّ كيفية الاستواء لا نعقلها، بل نجهلها، وأنَّ استواءه معلومٌ كما أَخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نتعَمَّق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيًا ولا إِثباتًا، بل نسكتُ ونقفُ كما وقفَ السلف، ونَعْلَم أَنَّه لو كان له تأويل لَبَادَرَ إلى بيانه الصحابةُ والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإِمْرَاره والسكوت عنه، ونعْلَم يقينًا مع ذلك أنَّ الله - جل جلاله - لا مِثْل له في صفاته، ولا في استوائه، ولا في نزوله - سبحانه وتعالى - عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا [6] » أهـ
«ومَن تأمَّلَ جواب الإمام مالك بن أنسٍ رحمه الله لمن سأله عن كيفية الاستواء على العرش ... ؛ تبيَّنَتْ له عدة أمورٍ:
الأول: كيفية الصفات مجهولة للعباد.
والثاني: معاني الصفات معلومة من لسان العرب ولغتها.
(1) وهو الإمام ابن راهويه رحمه الله تعالى.
(2) يعني: تَغَيَّظَ.
(3) يعني: انكشفَ عنه ما وجده في نفسه من الهم والغيظ عقب سؤال السائل.
(4) «مختصر العلو» (ص/141) .
(5) وهو مشهور عن الإمام مالكٍ، رواه اللالكائي في «اعتقاد أهل السنة» (664) ، وغيره.
(6) «مختصر العلو» (ص/141 ـ 142) .