فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 213

إلى غيره، فكيف يجوز أن يفارق ذاتَ الله كلامُه أو غيره من صفاته؛ بل قالوا: منه بدأ؛ أي: هو المتكلم به؛ ردًّا على المعتزلة والجهمية وغيرهم الذين قالوا: بدأ من المخلوق الذي خُلِقَ فيه، وقولهم [1] : إليه يعود؛ أي: يسري عليه فلا يبقى في المصاحف منه حرفٌ، ولا في الصدور منه آية» [2] .

وقال في موضعٍ آخر:

« ... فإِنَّه منه بدَأَ لا كما يقوله الصابئة ومَن وافقهم مِن الجهمية أَنَّه ابتدأَ مِن نَفْسِ النبيِّ، أو مِن العقلِ الفعال، أو مِن الهواء؛ بل هو تنزيل من حكيم حميد، وأَنَّه إليه يعود إِذا أُسْرِيَ به مِن المصاحفِ والصدور [3] » أهـ

وقال الشيخ عبد الله بن يوسف الجُدَيع حفظه الله: «ويجب أن يُعْلَم أَنه ليس معنى قولهم: (منه خرج) أَنَّ صفة الكلام فارَقَتْهُ تعالى، وحلَّتْ في غيره، وأنَّ ما تكلَّمَ به نُسِبَ إلى غيره، وصار وصفًا لذلك الغير ـ كما قد وَسْوَسَ به بعض أهل البدع ـ؛ فإِنَّ هذا المعنى لا يُعْقَلُ في حقِّ الإنسانِ المخلوق الضعيف، إذا تكلم بكلامٍ تزول عنه صفة الكلام بذلك وتُفارقه إلى غيره، فإِنَّ مَن كان كذلك لم يُمكنه الكلام إلا مرةً واحدةً، فإذا تكلَّمَ هذه المرة فارَقَته صفته؛ لأنَّ الكلام خرج منه وفارَقَهُ، وبمفارقتهِ زالتْ عنه الصِّفة، ولَحِقَتْ غيره.

هذا كلامٌ لا يقوله مَن يدري ما يقول؛ فإِنَّ مَن وُصِفَ بالكلام على هذا المعنى موصوفٌ بالعجزِ عنه، وهو غير مُتَصَوَّرٌ في حقِّ الناطق المخلوق على ضعفه، فكيف تَصَوَّرَهُ هؤلاء الضُّلال في حقِّ الله الذي ليس كمثله شيءٌ، فإِنَّهُ تعالى وصفَ نفسَهُ بأنه متكلِّمٌ بكلامٍ مُتَعَلِّقٌ بمشيئته وقدرته، يُسْمِعه مَن شاء مِن خلقه، متى شاء، وأَنَّ كلماته تعالى لا تنفد، ومَن كان هذا وصفه لم تُفَارِقه صفته بِتَكَلُّمِه مرةً أو مرات، وكلّ ما تكلَّمَ به منسوبٌ إليه لا إلى غيره.

قال الإمام الحافظ أبو الوليد الطيالسي: (القرآن كلام الله ليس ببائِنٍ مِن الله) .

وقال شيخ الإسلام [4] : (وإِنَّ قول السلف:(منه بدا) لم يُريدوا به أنه فارَق ذاته، وحَلَّ في غيره؛ فإِنَّ كلام المخلوق؛ بل وسائر صفاته لا تُفارقه وتنتقل إلى غيره، فكيف يجوز أَنْ يفارق ذاتَ الله كلامُه أو غيره مِن صفاته).

(1) يعني: السلف.

(2) «دقائق التفسير» (2/ 188) ، و «مجموع الفتاوى» (12/ 274) .

(3) «الفتاوى» (12/ 358) .

(4) يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت