فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 213

يُبَيِّنُ ذلك: أَنَّ العدوَ يقصد لدفع قول عدوِّه بكل ما قَدَر عليه من المكايد، لا سيما مع استعظامه ما بَدَهَهُ [1] بالْمَجِيء مِنْ خَلْعِ آلهته، وتسفيه رأيه في ديانته، وتضليل آبائه، والتَّغريب عليه بما جاء به، وإظهار أمر يُوجِبُ الانقياد لطاعته، والتصرُّف على حُكْمِ إرادته، والعدول عن إِلْفِهِ وعادتهِ، والانخراط في سلك الأتباع، بعد أَنْ كان متبوعًا، والتشييع بعد أَنْ كان مُشَيَّعًا، وتحكيم الغير في ماله، وتسليطه إِيَّاه على جملةِ أحواله، والدخول تحت تكاليف شاقة، وعبادات متعبة بقوله، وقد علم أن بعض هذه الأحوال مما يدعو إلى سلب النفوس دونه، هذا والحمية حميتهم، والهمم الكبيرة هممهم، وقد بذلوا له السيف فأخطروا بنفوسهم وأموالهم!

فكيف يجوز أن لا يتوصلوا إلى الرَّدِّ عليه، وإلى تكذيبه، بأهون سعيهم، ومألوف أمرهم، وما يمكن تناوله من غير أن يعرق فيه جبين، أو ينقطع دونه وتين، أو يشتمل به خاطر، وهو لسانهم الذي يتخاطبون به، مع بلوغهم في الفصاحة النهاية التي ليس وراءها متطلع، والرتبة التي ليس فوقها منزع ومعلوم أنهم لو عارضوه بما تحداهم إليه لكان فيه توهين أمره وتكذيب قوله وتفريق جمعه وتشتيت أسبابه، وكان مِنْ صدق به يرجع على أعقابه، ويعود في مذهب أصحابه.

فلمَّا لم يفعلوا شيئًا مِنْ ذلك، مع طول المدة، ووقوع الفسحة، وكان أمره يتزايد حالًا فحالًا، ويعلو شيئًا فشيئًا، وهم على العجزِ عن القدحِ في آيتهِ، والطعن بما يُؤَثِّر في دلالته؛ عُلِمَ مِمَّا بَيَّنَّا أَنَّهم كانوا لا يقدرون على معارضته، ولا على توهين حُجَّته.

وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم قومٌ خصمون [2] ، وقال: {وتنذر به قومًا لدا} [مريم: 97] ، وقال: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} [3] [سورة يس: 77] .

وعُلِمَ أيضًا ما كانوا يقولونه مِنْ وجوهِ اعتراضهم على القرآن، مما حكى الله عز وجل عنهم مِنْ قولهم: {لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين} [الأنفال: 31] ، وقولهم: {ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} [القصص: 36] ، وقالوا: {يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} [الْحِجْر: 6] ، وقالوا: {أفتأتون السحر وأنتم تبصرون} [الأنبياء: 3] ، وقالوا: {أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون} [الصافات: 36] ، وقال: وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا

(1) في (( مختار الصحاح ) ) (مادة: بده ) ): (( بَدَهَهُ أمرٌ: فجأه، وبابه قطع، وبَدَهَهُ بأمرٍ إذا استقْبَلَهُ به، وبَادَهَهُ فاجَأَهُ، والاسمُ البَدَاهةُ والبَديِهةُ ) )أهـ

(2) إشارةً إلى قوله تعالى: {وَقَالُوا أَآَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58] .

(3) ذكر الباقلاني رحمه الله بعض الآية بمعناه، وبعضها بلفظه، فذكرت لفظها كله كما في المصحف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت