وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا [الفرقان: 4 - 5] ، {وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} [الفرقان: 8] ، وقوله: {الذين جعلوا القرآن عضين} [الحِجْر: 91] .. إلى آيات كثيرة في نحو هذا، تدل على أنهم كانوا مُتَحَيِّرِينَ في أمرهم، مُتَعَجِّبِيْنَ مِنْ عجزهم، يفزعون إلى نحو هذه الأمور من تعليل وتعذير ومدافعة بما وقع التحدِّي إليه ووجد الحث عليه.
وقد عُلِمَ منهم أَنَّهم ناصبوه الحرب، وجاهدوه ونابذوه، وقطعوا الأرحام، وأخطروا بأنفسهم، وطالبوه بالآيات والإتيان بالملائكة وغير ذلك من المعجزات، يريدون تعجيزه لِيَظْهَرُوا عليه بوجهٍ مِنَ الوجوه.
فكيف يجوز أَنْ يقدروا على معارضتهِ القريبة السهلة عليهم، وذلك يدحض حجته، ويُفسد دلالته، ويُبطل أمره، فيعدلون عن ذلك إلى سائر ما صاروا إليه من الأمور التي ليس عليها مزيد في المنابذة والمعاداة، ويتركون الأمر الخفيف؟!
هذا مما يمتنع وقوعه في العادات، ولا يجوز اتفاقه من العقلاء.
وإلى هذا الموضع قد استقضى أهل العلم الكلام، وأكثروا في هذا المعنى واحكموه، ويمكن أن يقال: إنهم لو كانوا قادرين على معارضته والإتيان بمثل ما أتى به لم يجز أن يتفق منهم ترك المعارضة، وهم على ما هم عليه من الذرابة والسلاقة والمعرفة بوجوه الفصاحة، وهو يستطيل عليهم بأنهم عاجزون عن مباراته، وأنهم يضعفون عن مجاراته، ويكرر فيما جاء به ذِكْر عجزهم عن مثل ما يأتي به، ويُقَرِّعهم ويُؤَنِّبهم عليه، ويدرك آماله فيهم، وينجح ما سعى له في تركهم المعارضة، وهو يذكر فيما يتلوه تعظيم شأنه وتفخيم أمره حتى يتلو قوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88] ، وقوله: {ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون} [النحل: 2] ، وقوله: {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم} [الحِجْر: 87] ، وقوله: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحِجْر: 9] ، وقوله: {وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون} [الزخرف: 44] ، وقوله: {هدى للمتقين} [البقرة: 2] ، وقوله: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} [الزمر: 23] .. إلى غير ذلك من الآيات التي تتضمن تعظيم شأن القرآن، فمنها ما يتكرر في السورة في مواضع، ومنها ما ينفرد فيها، وذلك مما يدعوهم إلى المبادرة، ويحضهم على المعارضة، وإن لم يكن متحدِّيًا إليه.
أَلَا تَرَى أنهم قد ينافر شعراؤهم بعضُهم بعضًا؟ ولهم في ذلك مواقف معروفة وأخبار مشهورة وآثار منقولة مذكورة، وكانوا يتنافسون على الفصاحة والخطابة والذلاقة ويتبجحون بذلك ويتفاخرون بينهم؟
فلن يجوز والحال هذه أَنْ يتغافلوا عن معارضته لو كانوا قادرين عليها؟! تحداهم أو لم يتحدهم إليها؟!