فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 213

ولو كان هذا لقبيل مما يقدر عليه البشر لوجب في ذلك أمر آخر، وهو أنه لو كان مقدورا للعباد لكان قد اتفق إلى وقت مبعثه من هذا القبيل ما كان يمكنهم أن يعارضوه به، وكانوا لا يفتقرون إلى تكَلُّف وضعه، وتعمُّل نظمه في الحال.

فلمَّا لم نرهم احتجوا عليه بكلام سابق، وخطبة متقدمة، ورسالة سالفة، ونظم بديع، ولا عارضوه به فقالوا: هذا أفصح مما جئتَ به وأغرب منه أو هو مثله؛ عُلِمَ أَنَّه لم يكن إلى ذلك سبيل، وأنه لم يوجد له نظير، ولو كان وُجِدَ له مِثْلٌ لكان يُنْقَلُ إلينا ولعرفناه، كما نُقِلَ إلينا أشعار أهل الجاهلية وكلام الفصحاء والحكماء من العرب، وأُدِّيَ إلينا كلام الكهان وأهل الرجز والسجع والقصيد وغير ذلك من أنواع بلاغاتهم وصنوف فصاحاتهم )) [1] أهـ

فأصبح بدهيًا بعد ذلك:

أَنْ تُقَدَّسَ وتُنَزَّه كلماته وحروفه ومعانيه عن النَّقْدِ، وأَنْ لا يُتَسَلَّق إليه بخيالٍ ذهنيٍّ؛ لأنَّهُ يعلو ولا يُعْلَى عليه، ولا تحوزه كلماتُ بشرٍ، ولا يرتفع عليه كلام إنسانٍ، كما لا ترتفع ذات أحدٍ على ذات قائله المتكلِّم به، وهو المولى - جل جلاله -، وقد سبق مرارًا أنَّ الكلام في الصفة فرعٌ على الكلام في الذات.

فكما أنَّهُ لا يجوز لأحدٍ أَنْ يرفعَ ذاته فوق ذات الله ـ تعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا ـ؛ كذلك لا يجوز لأحدٍ أَنْ يرفعَ كلامَه على كلام الله؛ فإِنَّ كلام الله لا يُشْبه كلام البشر، ولا يُحيط بإعجازه مخلوقٌ، فلا يصحّ شرعًا ولا عقلًا أَنْ يخضعَ المعصوم لحُكْمِ ونَقْدِ مَن اقْتَرَنَ به الخطأ؛ كما لا يصح أَنْ تُحَاكَمَ المعجزة قياسًا على أوهام العقول، وحصائد الأفكار، وثمار الأَلْسُن.

وبعبارةٍ أخرى: لا يصح أَنْ يخضع الأعلى للأدنى؛ إلا في عقلِ مجنونٍ لا يَعِي ما يخرج من رأسهِ، أو ملحدٍ؛ لا يُؤْمِن بأله الكون، ولا يَعْتَرِف بوجوده سبحانه وتعالى.

وكيف يُتَصَوَّرُ في عقلٍ أنْ يستدركَ مخلوقٌ على كلامِ الخالقِ ونَظْمِهِ ولَفْظِه؛ اللهم إلا أَنْ يكون عقلًا فاسدًا لا يعرف الفرق بين البِذْرة والعذرة، فمثله فاقدٌ للأهلية غير مُعْتَبرٍ به؛ إِذْ لا عبرة بما صدر عن المجنون والمعتوه ونحوهما.

وكيف يصح أَنْ يأتي أَعَاجِمُ العصر بما عَجَزَ عنه أصحابُ اللُّغةِ الفصيحةِ وأربابُها؛ في قريشٍ، حين تَحَدَّاهم المولى أَنْ ياتوا بمثلِ هذا القرآن أو آثَارَةٍ مِن عِلْمٍ؛ فعجزوا؟!

وكيف يصحّ في الأذهانِ شيءٌ ... إذا احتاجَ النهارُ إلى دليل

ومِن هنا تعلم فساد تلك الفتنة القديمة التي أثارها بعضُ الزَّنادِقَةِ زورًا وبهتانًا، حين زَعَمَ إخضاع القرآن للنَّقْد اللغوي، وبدأ هو مشوار السقوط، فأخْسَأَهُ الله، وأَخْزَاه، وأَخْمَدَ فتنتَهُ وذِكْرَه [2] .

وأما القرآن فمعجزةٌ خالدة، أَيَّدَ الله عز وجل بها نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وَجَعَلَ الإيمانَ بذلك أصلًا أصيلًا من أصول الإسلام التي لا يصح الإسلام بدونها، فمَنْ شكَّ في إعجاز القرآن وعدم قُدْرَةِ الخلق على الإتيان بمثله؛ فقد عاد على أصل إسلامه بالبطلان؛ والعياذ بالله.

ولذا قال أهل العلم قديمًا وحديثًا: مَنْ قال: إِنَّ القرآنَ ليسَ بِمُعْجِزٍ فقد كَفَرَ.

ومِنْ ذلك: ما نُقِلَ عنِ الإمامِ أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أَنَّهُ قال: (( مَنْ قال: إِنَّ القرآنَ مقدورٌ على مثلِهِ ولكنَّ الله مَنَعَ قُدْرَتَهُمْ: كَفَرَ؛ بل هو مُعْجِزٌ بنَفْسِه، والْعَجْزُ شَمَلَ الْخَلْق [3] ) أهـ

قال ابنُ مُفْلِحٍ رحمه الله:

(( وجزم ابنُ عقيل بأنَّ مَن وُجِدَ منه امتهانٌ للقرآنِ، أو غَمْصٌ [4] منه، أو طَلَبُ تناقُضِهِ، أو دعوى أنه مختلفٌ أو مُخْتَلَقٌ، أو مقدورٌ على مثلِه [5] ، أو إسقاطٌ لحُرْمَتِهِ: كلُّ ذلك دليلٌ على كفرِهِ، فيُقْتَلُ بعد التوبةِ [6] ) أهـ

وقال القاضي عياض رحمه الله:

(( مَن أنكرَ القرآنَ، أو حرفًا منه، أو غَيَّرَ شيئًا منه, أو زَادَ فيه؛ كفِعْلِ الباطنيّة والإسماعيليّة, أو زَعَمَ أَنَّه ليس بحُجَّةٍ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - , أو ليس فيه حُجَّةٌ ولا مُعْجِزَةٌ؛ كقولِ هشامٍ الْفُوطِيِّ ومَعْمَرٍ الصَّيْمَرِيِّ: إِنَّه لا يدلُّ على الله ولا حجةَ فيه لرسولهِ ولا يدل على صوابٍ ولا عقابٍ ولا حُكمٍ؛ ولا مَحَالَةَ في كُفرِهما بذلك القول, وكذلك نُكَفِّرُهُمَا بِإِنْكَارِهِمَا أَنْ يكونَ في سائرِ معجزات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حجةٌ له, أو في خلقِ السماوات والأرض دليلٌ على الله؛ لمخالفتِهم الإجماعَ والنقلَ المتواترَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - باحتجاجهِ بهذا كلِّه، وتصريحِ القرآن به ) ) [7] .

وقال القاضي عياض رحمه الله:

(1) (( إعجاز القرآن ) )للباقلاني (ص/20 - فما بعد) .

(2) وانظر: المصدر السابق (ص/4) .

(3) (( الفروع ) )لابن مفلحٍ رحمه الله (6/ 161) .

(4) الغَمْصُ: الاحتقار أو الاستصغار والعَيْب، تقول: غمص فلانٌ فلانًا؛ إذا احتقره أو عابَه أو استصْغَرَهُ.

(5) يعني: أنَّه ليس مُعْجِزًا؛ بل يُقْدَرُ على الإتْيان بمثْلِه، ولا شكَّ في كفر مَن قال ذلك ولو هازِلًا.

(6) المصدر السابق.

(7) (( الشفا ) )للقاضي عياض (2/ 250) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت