فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 213

والثاني: أَنَّه يُسْتَتَاب، وتُقْبَلُ توبته، بمنزلة المرتد المحض، وهذا قول القاضي أبي يعلى، والشريف أبي جعفر، وأبي علي بن البناء، وابن عقيل، مع قولهم: إِنَّ مَنْ سبَّ الرسول لا يُسْتَتَاب، وهذا قول طائفة من المدنيين؛ منهم: محمد بن مسلمة، والمخزومي، وابن أبي حازم؛ قالوا: لا يُقْتَلُ المسلم بالسَّبِّ حتى يُسْتَتَاب، وكذلك اليهودي والنصراني، فإِنْ تابوا قُبِلَ منهم، وإِنْ لم يتوبوا قُتِلُوا، ولا بُدّ مِن الاستتابة، وذلك كله كالرِّدَّة، وهو الذي ذكره العراقيون من المالكية.

وكذلك ذكر أصحاب الشافعي - رضي الله عنه - قالوا: سبُّ الله رِدَّةٌ، فإذا تاب قُبِلَتْ توبته، وفرَّقوا بينه وبين سبّ الرسول على أحد الوجهين، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة أيضًا.

وأما مَن استتابَ السابّ لله ولرسوله فماخَذه أَنَّ ذلك مِن أنواع الردة، ومَن فَرَّق بين سب الله والرسول قال: سب الله تعالى كفرٌ محض، وهو حقٌّ لله، وتوبةُ مَنْ لم يصدر منه إلا مجرد الكفر الأصلي أو الطارئ مقبولة مُسْقطة للقتل بالإجماع، ويدل على ذلك أَنَّ النصارى يسبون الله بقولهم هو ثالث ثلاثة، وبقولهم: إِنَّ له ولدًا، كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الله - عز وجل - أَنَّه قال: «شَتَمَنِي ابنُ آدَم وما ينبغي له ذلك، وكَذَّبَني ابنُ آدم وما ينبغي له ذلك، فأما شتمه إِيَّايَّ فقوله: إِنَّ لي ولدًا وأنا الأحد الصمد» [1] ، وقال سبحانه: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} إلى قوله: {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه} [المائدة:73 - 74] ، وهو سبحانه قد عُلِمَ منه أَنّه يُسْقِط حقَّه عن التائب، فإِنَّ الرجلَ لو أَتَى مِن الكفر والمعاصي بملء الأرض ثم تاب؛ تابَ الله عليه، وهو سبحانه لا تَلْحَقُه بالسبِّ غَضَاضة ولا مَعَرَّة، وإِنما يعود ضرر السبّ على قائله، وحرمته في قلوب العباد أعظم مِن أَنْ يهتكها جرأة الساب، وبهذا يظهر الفرق بينه وبين الرسول، فإِنَّ السب هناك قد تَعَلَّقَ به حقٌّ آدمي، والعقوبة الواجبة لآدميٍّ لا تسقط بالتوبة، والرسول تَلْحَقُه الْمَعَرَّةُ والغَضَاضَة بالسبِّ، فلا تقوم حرمته وتثبت في القلوب مكانته إلا باصطلام سابه؛ لِمَا أَنَّ هَجْوَه وشتمه يُنْقِص من حرمته عند كثير من الناس ويقدح في مكانه في قلوبٍ كثيرةٍ، فإِنْ لم يُحْفَظْ هذا الْحِمَى بعقوبةِ المنتهك وإلا أَفْضَى الأمر إلى الفساد.

وهذا الفرق يتوجَّه بالنظر إلى أن حدَّ سب الرسول حقٌّ لآدمي، كما يذكره كثير من الأصحاب، وبالنظر إلى أنه حقٌّ لله أيضًا، فإِنَّ ما انتهكه مِنْ حرمة الله لا ينجبر إلا بإقامة الحد، فأَشْبَه الزاني والسارق والشارب إذا تابوا بعد القدرة عليهم.

وأيضًا؛ فإِنَّ سب الله ليس له داعٍ عقلي في الغالب، وأكثر ما هو سب في نفس الأمر إنما يصدر عن اعتقادٍ وتَدَيُّنٍ يُرَادُ به التعظيم لا السب، ولا يَقْصِد السابُّ حقيقةَ الإهانة لعِلْمِهِ أَنَّ ذلكَ لا يُؤَثِّر، بخلاف سب

(1) رواه البخاري (4974 - 4975) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، وله شاهد من حديث ابن عباس عند البخاري أيضًا (4482) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت