الرسول؛ فإِنَّه في الغالب إنما يُقْصَدُ به الإهانة والاستخفاف والدواعي إلى ذلك متوفرة من كل كافر ومنافق، فصار من جنس الجرائم التي تدعوا إليها الطباع، فإن حدودها لا تسقط بالتوبة بخلاف الجرائم التي لا داعي إليها [1]
وأمَّا السابّ فإنّه مظهرٌ للتنقُّصِ والاستخفاف والاستهانة بالله، منتهكٌ لحرمته، انتهاكًا يعلم هو مِن نفسه أنّه منتهكٌ مستخفٌّ مستهزئ، ويعلم هو مِن نفسه أَنّه قد قال عظيمًا، وأَنَّ السموات والأرض تكاد تنفطر مِن مقالته وتخرُّ الجبال، وأَنَّ ذلك أعظم مِن كلِّ كفرٍ، وهو يعلم أَنَّ ذلك كذلك، ولو قال بلسانه: إني كنت لا أعتقد وجود الصانع ولا عظمته والآن فقد رجعتُ عن ذلك؛ علمنا أَنّه كاذبٌ فإِنَّ فِطَرَ الخلائق كلها مجبولةٌ على الاعتراف بوجود الصانع، وتعظيمه، فلا شبهة تدعوه إلى هذا السب، ولا شهوة له في ذلك، بل هو مجرد سخرية واستهزاء واستهانة وتمرُّد على ربِّ العالمين، تنبعث عن نفسٍ شيطانية ممتلئةٍ مِن الغضب، أو مِن سفيهٍ لا وَقَارَ لله عنده، كصدورِ قَطْع الطريق والزنى عن الغضب والشهوة، وإذا كان كذلك وَجَبَ أَنْ يكون للسبِّ عقوبة تخصُّه، حدًّا مِن الحدود، وحينئذٍ فلا تسقط تلك العقوبة بإظهار التوبة كسائر الحدود ....
وجماعُ الأمر: أنَّ كل عقوبة وجبت جزاءً ونكالًا على فعلٍ أو قولٍ ماضٍ فإنها لا تسقط إذا أُظْهِرَت التوبة بعد الرفع إلى السلطان؛ فسبُّ الله أولى بذلك، ولا ينتقض هذا بتوبة الكافر والمرتد؛ لأن العقوبة هناك إنما هي على الاعتقاد الحاضر في الحال، المستصحب مِن الماضي، فلا يصلح نقضًا؛ لوجهين:
أحدهما: أن عقوبة السابّ لله ليست لذنبٍ استصحبه واسْتَدَامَهُ، فإِنَّه بعد انقضاء السبّ لم يستصحبه ولم يَسْتَدِمْه، وعقوبةُ الكافر والمرتد إنما هي الكفر [2] الذي هو مُصِرٌّ عليه مقيمٌ على اعتقاده.
الثاني: أن الكافر إنما يعاقب على اعتقادٍ هو الآن في قلبه، وقولُه وعملُه دليلٌ على ذلك الاعتقاد .... والسابُّ إنما يُعَاقَبُ على انتهاكه لحرمة الله، واستخفافه بحقه، فيُقْتَلُ.
ولا يُنْتَقَضُ هذا أيضًا بترك الصلاة والزكاة ونحوهما؛ فإِنهم إنما يُعاقبون على دوام الترك لهذه الفرائض، فإذا فعلوها زال الترك.
وإِنْ شئتَ أَنْ تقول الكافر والمرتد وتاركوا الفرائض يُعاقبون على عدم فعل الإيمان والفرائض؛ أعني: على دوام هذا العدم، فإِذا وُجِدَ الإيمان والفرائض امتنعت العقوبة لانقطاع العدم، وهؤلاء يعاقبون على وجود الأقوال والأفعال الكبيرة لا على دوام وجودها، فإذا وُجِدَتْ مرة لم يرتقع ذلك بالترك بعد ذلك.
وبالجملة فهذا القول له توجُّه وقوة.
(1) وقد استطرد شيخ الإسلام هنا في بيان نكتة الفرق في العقوبة بين سب الله وسب الرسول؛ فراجعه.
(2) كذا السياق، ولعل المراد: «على الكفر» ، والمعنى ظاهرٌ على كلِّ حالٍ؛ والله أعلم.