ومِن الناس من سلك في سابِّ الله تعالى مسلكًا آخر، وهو أنه جعله مِن باب الزنديق كأحد المسلكين اللذين ذكرناهما في ساب الرسول؛ لأن وجود السب منه مع إظهاره للإسلام دليلٌ على خبث سريرته، لكن هذا ضعيف، فإِنَّ الكلام هنا إنما هو في سبٍّ لا يُتَدَيَّنُ به، فإِنَّ السب الذي يُتَدَيَّنُ به؛ كالتثليث ودعوى الصاحبة والولد؛ فحكمه حكم أنواع الكفر، وكذلك المقالات المُكَفِّرة؛ مثل: مقالة الجهمية والقدرية وغيرهم مِن صنوف البدع.
وإذا قبلنا توبة مَن سب الله سبحانه فإنه يُؤَدَّبُ أَدَبًا وجيعًا حتى يردعه عن العَوْدِ إلى مثل ذلك، هكذا ذكره بعض أصحابنا وهو قول أصحاب مالك في كلِّ مرتدٍ.
فصل: وإِنْ كان السابّ لله ذميًّا؛ فهو كما لو سب الرسول، وقد تقدم نص الإمام أحمد على أنَّ «مَن ذكر شيئًا يُعَرِّض بذكر الرب سبحانه فإنّه يُقْتَلُ سواءٌ كان مسلمًا أو كافرًا» ، وكذلك أصحابنا قالوا: «مَن ذكر الله أو كتابه أو دينه أو رسوله بسوءٍ» ، فجعلوا الحكم فيه واحدًا وقالوا: الخلاف في ذِكْرِ الله وفي ذِكْرِ النبي - صلى الله عليه وسلم - سواءٌ، وكذلك مذهب مالك وأصحابه، وكذلك أصحاب الشافعي ذكروا لمن سب الله أو رسوله أو كتابه مِن أهل الذمة حكمًا واحدًا
سبُّ الله تعالى على قسمين: أحدهما: أَنْ يسبّه بما لا يُتَدَيَّنُ به مما هو استهانة به عند المتكلِّم وغيره مِثل: اللعن والتقبيح ونحوه [1] ، فهذا هو السب الذي لا ريب فيه، والثاني: أن يكون مما يُتَدَيَّنُ به ويعتقده تعظيمًا ولا يراهُ سبًّا ولا انتقاصًا؛ مثل: قول النصراني: إنَّ له ولدًا وصاحبةً ونحوه، فهذا مما اختلف فيه إذا أظهره الذمي فقال القاضي وابن عقيل مِن أصحابنا: يُنْتَقَضُ به العهد كما ينتقض إذا أظهروا اعتقادهم في النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو مقتضى ما ذكره الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب وغيرهما، فإنهم ذكروا أَنْ ما ينقض الإيمان ينقض الذِّمَّة، ويحكى ذلك عن طائفة من المالكية [2] » أهـ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
«السب الذي ذكرنا حكمه مِن المسلم هو الكلام الذي يُقْصَدُ به الانتقاص والاستخفاف، وهو ما يُفْهَمُ منه السبّ في عقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم؛ كاللعن والتقبيح ونحوه، وهو الذي دلَّ عليه قوله تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم} [الأنعام:108] ، فهذا أعظم ما تَفَوَّهُ به الأَلْسِنَةُ، فأَمَّا ما كان سبًّا في الحقيقة والحكم لكن مِن الناس مَن يعتقده دينًا ويراهُ صوابًا وحقًّا ويظن أَنْ ليس فيه انتقاص
(1) وهذا شاملٌ لمَنْ سبَّ بعض صفاته - جل جلاله -، كمَنْ سبَّ القرآن الذي هو كلام الله تعالى.
(2) «الصارم المسلول على شاتم الرسول - صلى الله عليه وسلم -» (ص/546 - 555، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط: المكتبة العصرية) (3/ 1017 - 1036، تحقيق: محمد عبد الله ومحمد كبير أحمد، ط: دار ابن حزم) .