فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 221

عدم إمكان تثبتها من وصف الجريمة لحالتها النفسية عند وقوعها.

وما يؤكد هذا الاحتياط أن الشريعة قبلت شهادتها وحدها فيما لا يطلع عليه غيرها، أو ما تطلع عليه دون الرجال غالبًا، وقد قرر الفقهاء أن شهادتها وحدها تقبل في إثبات الولادة، وفي الثيبوبة والبكارة، وفي العيوب الجنسية لدى المرأة، وهذا حين كان لا يتولى توليد النساء وتطبيبهن والاطلاع على عيوبهن الجنسية إلا النساء في العصور الماضية.

فليست المسألة إذًا مسألة إكرام وإهانة، أو أهلية وعدمها، وإنما هي مسألة تثبت في الأحكام واحتياط في القضاء بها، وهذا ما يحرص عليه كل تشريع عادل.

وبهذا نعلم أنه لا معنى للشغب والتشنيع على الإسلام في هذه القضية، واتخاذها سلاحًا للإدعاء بأنه انتقص المرأة، وعاملها دون الرجل كرامة ومكانة، وقد تقدم فيما سبق أنه عامل المرأة كالرجل، وبنصوص صريحة واضحة لا لبس فيها ولا غموض [1] .

سادسًا: من الأمور التي تخالف فيها المرأة الرجل: الحجاب:

يرى كثير من الناس أن شرعة الحجاب هذه التي اختص بها الإسلام المرأة، من أكبر الأدلة على اللامساواة التي أقامها بين المرأة والرجل؛ بل رأى بعضهم في هذه الشرعة دليلًا على ازدراء المرأة والتقييد البالغ لحريتها.

ولو تأمل هؤلاء الناس في الباعث على شرعة الحجاب، لاكتشفوا أن الأمر على عكس ما يتصورون [2] -كما سيأتي معنا لاحقًا.

ولذلك لو أردنا أن نقنع فتاة ما بالحجاب، فيجب أن لا نستعمل أسلوب الضغط والإكراه؛ فيضغط الأب على ابنته، والزوج على زوجته؛ من أجل لبس الحجاب، ما الذي سيولده هذا الضغط؟ سوى الحقد الدفين على الحجاب وأهله.

لماذا زاد الحقد على الحجاب؟!

لأن طريقتنا في الإقناع خاطئة .. ماذا فعل الرسول في دعوته خلال ثلاثة وعشرين سنة؛ إن التشريعات لم تنزل جملة واحدة، ومنها مسألة الحجاب، فآية الحجاب

وهي قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب:53] نزلت في ذي القعدة في السنة الخامسة من الهجرة؛ أي: بعد خمس عشر سنة.

لماذا كل هذه المدة الطويلة؛ إنها مرحلة التربية والإقناع؛ الإقناع الحسي والعاطفي، ثم بعد أن تهيأت القلوب نزل التشريع، ولذلك تقول عائشة - رضي الله عنها: «لو قال الله لهم: صوموا وصلوا وزكوا وتحجبوا لما أطاعوا، لكنه بدأ بالتهيئة الإيمانية، بدأ بغرس العقيدة في قلوبهم حتى إذا استقرت العقيدة والإيمان، ثم بدأت طلبات التشريع تنزل شيئًا فشيئًا ومرحلة

بعد مرحلة.

وكذلك نحن إذا أردنا أن نقنع الفتاة بالحجاب فيجب أن نبين لها مغزاه الحقيقي

(1) انظر: المرأة بين الفقه والقانون: د. مصطفى السباعي (ص:31) وما بعدها.

(2) المرأة بين طغيان النظام الغربي ولطائف التشريع الإلهي: محمد سعيد البوطي (ص:154) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت