فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 221

الذي ينطوي عليه -بعد التدرج- فإذا جعلنا المسألة مسألة اختيار شخصي ومسألة اقتناع ديني فإن الفتاة ستلبس الحجاب عن قناعة، ولن أُملي عليها أوامري، فتتشبث هي برأيها وتقام تلقائيًا.

لكن لماذا لا تلتزم الفتاة بالحجاب؟

المسألة هو أن هذه الفتاة عندما كانت تأتي سافرة في البداية كانت تحمل هدفًا أو فكرة أو ربما لم تكن متأثرة برأي يخالف الدين، لكنها كانت تعمل ذلك لأنها ترى نفسها عصرية الهندام، أي أنها كانت قد صاغت نفسها، ورتبتها على آخر طراز للفتاة العصرية المتقدمة، كما تشاهد ذلك في التلفاز أو الصحافة، أو سمعته في الإذاعة، أو ترى نفسها أينما سارت

أو ذهبت لا حديث للآخرين إلا عنها، ولا إطراء إلا لقيمها ومبادئها؟!

إذًا: ليس علينا أن نقول للفتاة: البسي كما كانت جدتك أو عمتك تلبس.

لكن قبل أن نقول لها: البسي كما لبست جدتك أو عمتك أو أمك يجب أن نحطم الصنم الذي استحوذ على تفكيرها .. لقد ذهبت عبادة اللات والعزى؛ إنما أصنام اليوم هي القيم والمبادئ أمثال مبادئ الفتاة العصرية.

لابد أن نطرح البديل، أو نعرض على هذه الفتاة قيمًا أعلى وأفضل من قيم هذه الفتاة العصرية، فإذا أفلحنا في إقناع الفتاة بهذه القيم الأعلى للمرأة المسلمة، فلسوف ترتبط بها، وسوف تفرض على نفسها كل رموز تلك القيم، وتختارها بنفسها، وتعتز بها، دون أن تشعر بالحقارة أو المهانة، كما حصل مع الفتاتين المسلمتين في فرنسا رفضتا كل الإغراءات وقبلتا حتى بترك الدراسة على أن تتنازل عن حجابها وقيمها ومبادئها.

والدليل على ذلك هو المرأة الصينية، فقد كان يضرب بها المثل في الجمال الذي أذعنت له كل نساء العالم؛ لأنها برعت في الجمال والزينة، والتدلل والدلع والغنج والفتنة، وكان الفلاسفة يكتبون بأسلوب علمي عن الطريقة التي تصبح بها المرأة مغناجًا، وبات جمال المرأة علمًا متطورًا.

ولكن فجأة ما الذي دفع هذه المرأة المغناج لأن تلبس لباس الخيش وهو أرخص أنواع الألبسة، هذا الملبس الخشن الرخيص لتواجه الفتاة الفرنسية أو الأمريكية من غير أن تشعر إزاها بالحقارة، بل على العكس هي تشعر بالتفوق عليها .. إنها تعد نفسها ثورية وليست فتاة برجوازية، وترى أن الفتاة الفرنسية والأمريكية دمية ذات مظهر برجوازي؛ إنها ترى نفسها الأعلى والأفضل.

علينا أن نبحث عن الدافع الذي جعل هذه الفتاة الصينية صاحبة السوابق في التزين والدلع والجمال، تأتي الآن في القرن العشرين لتظهر أمامنا بهذا الهندام الخشن مستهينة بالفتاة الأوروبية الأنيقة.

ما الذي تغير .. أهو التقدم الاقتصادي الصيني؟ كلا .. فالاقتصاد الصيني ما زال متخلفًا أمام الاقتصاد الأوروبي، والفتاة الصينية بالمقياس الحضاري ما زالت متخلفة

عن الفتاة الأوروبية، فأين هي من الفتاة الفرنسية أو الأمريكية؟!

إن الذي تغير هو القيم والمبادئ، فهذا القميص، وهذا اللبس الخشن ليس هو لباسها التقليدي المفروض عليها من قبل والديها، وليس هو لباس العوز والفقر، بل هو زي فكري مرتبط بالفكر الذي اعتنقته والذي تجاهد من أجله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت