والتصديق بجميع رسله، والإيمان بجميع الكتب السماوية، وأن تعاليم القرآن ناسخة لما سبق كله، قال تعالى: {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة:285] .
وفي العبادات جاءت تعاليم القرآن العظيم بأسس العبادات ودعائمها، فشرعت الصلاة والصيام، والحج، والزكاة، وسائر أعمال البر والطاعة، وليست العبادة في الإسلام قاصرة على هذه الدعائم والأركان؛ بل هي تشمل كل عمل خير، وفعل بر وطاعة، ولهذا فإن العلماء قرروا أن كل عمل يقصد به الإنسان وجه الله يكون عبادة، وقالوا: إن النية الصالحة تقلب العادة إلى عبادة، فإذا عمل الإنسان واحترف له صنعة بقصد التعفف عن الحرام والإنفاق على أهله وعياله، وإذا أكل أو شرب بقصد التقوي على طاعة الله؛ كان عمله عبادة يثاب عليها، والأصل في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى اللقمة تضعها في فيّ -فم- امرأتك .. » [1] ، قال ابن حجر في الفتح نقلًا عن ابن دقيق العيد: «فيه أن الثواب في الإنفاق مشروط بصحة النية وابتغاء وجه الله، وهذا عسر إذا عارضه مقتضى الشهوة؛ فإن ذلك لا يحصل الغرض من الثواب حتى يبتغي به وجه الله، وسبق تخليص هذا المقصود مما يشوبه .. وقد يكون فيه دليل على أن الواجبات إذا أديت على قصد أداء الواجب ابتغاء وجه الله أثيب عليها» [2] .
وخلاصة القول: إن أصول العبادات المفروضة وسعها القرآن ونوعها وجعلها ضروبًا متفاوتة، فمنها ما هو (عبادات مالية) كالزكاة والصدقات، ومنها ما هو (عبادات بدنية) كالصلاة والصيام، ومنها ما هو يجمع بين الأمرين (عبادات مالية وبدنية) كالجهاد في سبيل الله يكون بالمال والنفس؛ وهذا التنويع له مغزاه وحكمته السامية؛ وذلك لئلا تألف النفس شيئًا فتصبح لها عادة، أو تمل وتضجر من العبادة الواحدة ..
أما تعاليم القرآن في مجال التشريع العام فنجد أن القرآن العظيم قد وضع قواعد عامة في التشريع المدني والجنائي والسياسي والاقتصادي، ففي المعاملات حرم القرآن أكل أموال الناس بالباطل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:29] ، فالنداء في تعاليم القرآن هو للذين آمنوا، مما يوحي بتطهير المعاملات المالية من كل رواسب الباطل ويحث على ذلك باستجاشة ضمائر المسلمين بهذا النداء {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} فتعاليم القرآن تحرم جميع الحيل لأكل أموال الناس بالباطل بكل طريقة لتداول الأموال فيما لم يأذن به الله أو نهى عنه، ومن ذلك: الغش والرشوة، والقمار، واحتكار الضروريات لإغلائها وجميع أنواع البيوع المحرمة وفي مقدمتها الربا.
وكل معاملة فيها أكل لأموال الناس بالباطل؛ فهي توحي بالآثار المدمرة التي ينشئها أكل أموال الناس بالباطل في حياة المسلمين؛ إنها عملية قتل .. ؛ لأنه لا تروج وسائل أكل أموال الناس بالباطل في مجتمع: بالربا أو الغش، أو القمار، أو
(1) أخرجه البخاري في كتاب الوصايا باب (2) حديث رقم (2742) البخاري مع الفتح (7/ 264) ، وأخرجه مسلم في كتاب الوصية باب (1) الوصية بالثلث (2/ 1250) حديث رقم (5) .
(2) فتح الباري لابن حجر (7/ 270) .