الاحتكار أو التدليس، أو الاختلاس، أو الاحتيال، أو الرشوة، أو السرقة، أو بيع ما ليس يباع، كالعرض، أو الذمة، أو الضمير، أو الخلق أو الدين، مما تعج به الجاهليات القديمة والحديثة سواء؛ إلا وقد كتب على هذه الأمة أن تقتل نفسها وتتردى في هاوية الدمار [1] .
وكذلك نجد أن تعاليم الإسلام وضعت أساسًا للتعامل الدولي في حالة السلم والحرب، على أكمل وجه وأعدل نظام، قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِن اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) } [البقرة:190] ، وقال تعالى: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) } [النساء:90] .
وفي الأمور الجنائية بينت تعاليم القرآن الحدود، وأوجب القرآن على الأمة تنفيذها من أجل حماية المجتمع وصيانته من الفوضى والاضطراب .. وقد نصت تعاليم القرآن على أمهات الجرائم، ووضع القرآن لكل منها عقوبات مقدرة لا يجوز الزيادة عليها أو النقصان منها، أو التساهل في تطبيقها ..
وخلاصة القول: إن تعاليم القرآن هي تشريع إلهي لا تشريع بشري؛ لأن التشريع الإلهي هو التشريع الوحيد المبرأ من نتائج الهوى الإنساني، والضعف الإنساني، والرغبة الإنسانية في النفع الذاتي، وفي تحقيق ذلك النفع عن طريق التشريع لشخص المشرع أو لأسرته، أو لطبقته، أو لشعبه، أو لجنسه .. فواضع هذا التشريع هو الله -سبحانه- رب البشر أجمعين، فهو لا يشرع ليحابي نفسه ولا ليحابي طبقة من البشر على طبقة! ولا ليحابي شعبًا على شعب ولا ليحابي جنسًا على جنس!.
والتشريع البشري الذي يصنعه فرد حاكم، أو أسرة حاكمة أو طبقة حاكمة، أو أمة حاكمة، أو جنس حاكم .. يستحيل -بحسب فطرة الإنسان- أن يتجرد عن الهوى، ومن مراعاة مصلحة واضع التشريع.
فأما حين يكون تشريع الله وتعاليم القرآن هي التي تحكم حياة البشر، فتنتفي هذه الصفة ويتحقق العدل الحقيقي الشامل الكامل الذي لا يملكه تشريع آخر من تشريعات البشر أن يحققه في صورته هذه؛ لأنه ليس بين هذه التشريعات كلها ما يمكن أن يتجرد من عوامل الهوى الإنساني، والضعف الإنساني، والحرص على المصلحة الذاتية في صورة من الصور [2] .
* القرآن هو الكتاب الذي تصح نسبته إلى الله:
الحق الذي لا يماري فيه منصف أنه لا يوجد اليوم على ظهر الأرض كتاب تصح نسبته إلى الله -سبحانه- سوى القرآن الكريم؛ يدل على هذه الحقيقة أدلة حسية من حفظه وعدم اختلافه في كل مكان وعلى مدار الأزمان؛ فضلًا عما أخبر به القرآن عن التحريف الواقع في الكتب الموجودة، ومن الأدلة على صحة نسبة القرآن إلى الله الأدلة الآتية:
(1) راجع: في ظلال القرآن، سيد قطب، (2/ 639) .
(2) انظر: هذا الدين، سيد قطب. (ص:21) .