فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 221

ومن قرآنه: «والفيل وما أدراك ما الفيل، له زلوم طويل» وكان يقول: «والليل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسد من رطب ولا يابس» .

وكان يقول: «ياضفدع يا بنت الضفدعين، نقي لكم تنقين، لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين، رأسك في الماء وذنبك في الطين» ، وكان يقول: «ولنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشًا قوم يعتدون» [1] .

وقد ذكر ابن كثير عن عمرو بن العاص أنه وفد إلى مسيلمة في أيام جاهليته، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذا الحين؟ فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: وما هي؟ قال: أنزل عليه: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } [العصر:1 - 3] ، قال: ففكر مسيلمة ساعة ثم رفع رأسه فقال: ولقد أنزل عليّ مثلها، فقال له عمرو: وما هي؟ فقال مسيلمة: «يا وبر يا وبر، إنما أنت إيراد وصدر، وسائرك حفر نقر» ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم إني أعلم أنك تكذب.

ومن هذا الكلام السخيف الركيك أراد مسيلمة أن يعارض كتاب الله تعالى ويحاكيه، فكان أضحوكة العالم أجمع؛ والذين اتبعوه من الأعراب إنما هو للعصبية الجاهلية كما عبر بعضهم حين قال: «كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر» [2] .

* مكانة القرآن في نفس المؤمن:

للقرآن في نفس المؤمن مكانة ليست لأي كتاب آخر على الإطلاق.

فالقرآن هو كلام الله المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم المتعبد بتلاوته، وكفى بذلك تعظيمًا في نفوس المؤمنين.

فالمؤمن من يعظم ربه ابتداءً؛ فيعظم من ثم كل شيء يأتيه من عند ربه، فكيف بكلام ربه المنزل، الموجه إليه ليهديه سواء السبيل، وينير قلبه وطريقه، ويهديه خير الدنيا والآخرة؟

إن الكتاب الذي يصلني من مؤلف قدير في مادته؛ يكون عزيزًا عندي بمقدار ما أعرف عن ذلك المؤلف من مكانة في العلم. فكيف بكتاب رب العالمين القادر المقتدر العليم الحكيم؟!

وإن الكتاب الذي يعطيني جزءًا صغيرًا من المعلومات، وفي باب واحد من أبواب المعرفة يكون عزيزًا عندي بمقدار فائدتي منه، فكيف بالكتاب الذي يحوي الخير كله ويدل عليه؟

وإن الكتاب الذي يقدمه إليّ أستاذي، وأعلم أن قراءتي له ستزيد درجاتي عنده أكون حريصًا على قراءته بقدر ما يزيدني من درجات وعلامات، فكيف بالكتاب الذي تكون تلاوته تعبدًا يرفع درجاتي عند الله؟

ولله المثل الأعلى في السموات والأرض.

إنه لا يوجد كتاب في تأريخ البشرية كله نال من المكانة في نفوس أصحابه كما نال القرآن في نفوس المؤمنين.

(1) إعجاز القرآن، للباقلاني، (ص:157) .

(2) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (6/ 331) تحقيق د. أحمد أبو ملحم وزملاؤه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت