فهرس الكتاب

الصفحة 1016 من 1401

[سورة المائدة (5) : الآيات 27 إلى 29]

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (29)

(البلاغة)

1 -في قوله: «إنما يتقبل الله من المتقين» الكلام الجامع المانع، فقد جمعت هذه الجملة الكثير من المعاني بكلام مختصر، فقد اشتملت على فحوى القصة من أولها إلى آخرها، والقصة مطولة يجدها القارئ في المطوّلات. وخلاصة المعنى أن الله تعالى لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متّق، وعن عامر بن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة فقيل له:

ما يبكيك؟ فقد كنت وكنت. قال: إني أسمع الله يقول: إنما يتقبل الله من المتقين.

2 -في قوله: «إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك» فن الاتساع.

وهو أن يأتي المتكلم بكلام يتسع فيه التأويل بحسب ما تحتمله ألفاظه، فيتّسع التأويل فيه على قدر عقول الناس وتفاوت أفهامهم. وهو في الآية في إرادته إثم أخيه، لأن معناه: إني لا أريد أن أقتلك فأعاقب.

ولما لم يكن بدّ من إرادة أحد الأمرين: وهما إما إثمه بتقدير أن يدفع عن نفسه فيقتل أخاه، وإما إثم أخيه بتقدير أن يستسلم وكان غير مريد للأول فاضطر إلى الثاني، فلم يرد إذن إثم أخيه لعينه، وإنما أراد أن الإثم هو بالمدافعة المؤدية إلى القتل، ولم تكن حينئذ مشروعة، فلزم من ذلك إرادة إثم أخيه. وهذا كما يتمنى الإنسان الشهادة.

ومعناها أن يبوء الكافر بقتله وبما عليه في ذلك من الإثم، ولكن لم يقصد هو إثم الكافر لعينه وإنما أراد أن يبذل نفسه في سبيل الله رجاء إثم الكافر بقتل الكافر ضمنا وتبعا. والذي يدل على ذلك أنه لا فرق في حصول درجة الشهادة وفضيلتها بين أن يموت القاتل على الكفر وبين أن يختم له بالإيمان، فيحبط عنه إثم القتل الذي كان به الشهيد شهيدا، أعني بقي الإثم على قاتله وأحبط عنه، إذ ذلك لا ينقص من فضيلة شهادته ولا يزيدها، ولو كان إثم الكافر بالقتل مقصودا لاختلف التمني باعتبار بقائه وإحباطه، فدلّ على أنه أمر لازم تبع لا مقصود.

أقوال للعلماء:

هذا وقد أقاض علماء التفسير والنحو والبلاغة في هذه الآية، ويتلخص مما أوردوه أن هناك ثلاثة تأويلات:

أ - إنه على حذف همزة الاستفهام أي: إني أريد أأن تبوء؟

وهو استفهام استنكاري لأن إرادة المعصية معصية.

ب - أن «لا» محذوفة، تقديره: إني أريد أن لا تبوء بإثمي، كقوله تعالى: «يبين الله لكم أن تضلوا» أي: أن لا تضلوا.

ج - إن الإرادة على حالها، وهي إما ارادة مجازية أو حقيقية، وجازت إرادة ذلك به لمعان ذكرها المفسرون، ومن جملتها أنه ظهرت له قرائن تدل على قرب أجله، وأن أخاه كافر، وأن ارادة العقوبة بالكافر حسنة.

3 -جاء الشرط بلفظ الفعل، وهو قوله: (بسطت، والجواب بلفظ اسم الفاعل، وهو قوله: «ما أنا بباسط» لإفادة أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا العمل المنكر، ولذلك أكده بالباء الزائدة المؤكدة للنفي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت