(سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(42)
(اللغة)
(السحت) بضم الحاء وسكونها: الحرام، وما خبث وقبح من المكاسب، فلزم عنه العار، كالرشوة، والجمع أسحات. وكان اليهود يأخذون الرشا على الأحكام. وترى في باب الفوائد نبذة عنه. ومن عجيب أمر السين والحاء إذا كانتا فاء للكلمة وعينا لها أنها تدل على السحب والتأثير البعيد، فسحب ذيله فانسحب هي أمّ هذا الباب.
ومن مجاز الكلام سحبت الريح أذيالها. وانسحبت فيها ذلاذل الريح، واسحب ذيلك على ما كان مني. ويقولون: ما استبقى الرجل ودّ صاحبه بمثل سحب الذيل على معايبه. ومادة السحت تقدمت، ويقال: سحت الشحم من اللحم قشره، وفلان مسحوت المعدة شره، عاميّ فصيح، وسحجت الرياح الأرض أزالت ما على أديمها، وسحّ الماء صبّه، وسحّ المطر والدمع انثالا، ولا يخفى ما في ذلك من معنى السحب والانزلاق، وسحره معروف، وإنه لمسحّر: سحر مرة بعد أخرى حتى تخبّل عقله. ولقيته سحرا وسحرة. وجاء فلان بالسحر من القول: أي خلب العقول، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان لسحرا» . وعلى هذا النحو تطّرد هذه المادة، ولا تختلّ عن هذا المعنى، وهذا من الأعاجيب.
(الفوائد)
روى الحسن قال: كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه أحدهم برشوة جعلها في كمه، فأراها إياه، فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه، فيأكل الرشوة، ويسمع الكذب.
وحكي أن عاملا قدم من عمله، فجاءه قومه، فقدم إليهم العراضة، وجعل يحدثهم بما جرى له. فقال أعرابي من القوم: نحن كما قال تعالى: «سمّاعون للكذب أكّالون للسحت» . وفي الحديث: «كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به» .