فهرس الكتاب

الصفحة 379 من 1401

[سورة البقرة(2): آية 255]

(اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ(255)

(البلاغة)

انطوت هذه الآية على أهم المسائل المتعلقة بالذات الإلهية.

روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لكل شيء سنام وإن سنام القرآن البقرة. وفيها آية هي سيدة آي القرآن وهي آية الكرسي.

ونلخص فيما يلي فنون البلاغة المنطوية فيها:

1 -الاستعارة التصريحية في قوله: «وسع كرسيه السماوات والأرض» فالكلمة مجاز عن علمه تعالى أو ملكه وتصوير صحيح لعظمته، حذف المشبه وهو العلم والقدرة والعظمة وما يترتب على الجلوس فوق كرسي الملك من معاني الأبهة والإحاطة الجامعة.

2 -الإيجاز: فقد تضمنت آية الكرسي من الإيجاز ما لا مطمح فيه لتقليد أو محاكاة ويمكن القول: إن البيان اتحد بالمبين في تصوير الملك الحقيقي الذي لا ينازع فيه بأرشق عبارة وأدق وصف، وفيها ما يسمى بالفصل في علم المعاني، وهو حذف العاطف للدلالة على أن كل صفة من صفات هذا الملك العظيم مستقلة بنفسها، وذلك على النحو التالي:

أ - الجملة الأولى: «الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم» وقد بيّن فيها قيامه سبحانه بتدبير الخلق وتنسيق شئونهم، وإحكام معايشتهم وهمينته عليه دون أن يكون ساهيا عنه طرفة عين.

ب - الجملة الثانية: «له ما في السماوات وما في الأرض» وقد بيّن فيها أنه مالك لما يدبره غير منازع في ملكه.

ج - الجملة الثالثة: «من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه» وقد بين فيها كبرياء شأنه وتضاؤل الجميع أمام قدرته التي لا تحدّ.

د - الجملة الرابعة: «ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء» وقد صور فيها إحاطته بأمور الخلق وأحوالهم بحيث لا يغرب عنه شيء.

هـ - الجملة الخامسة: «وسع كرسيه السماوات والأرض» إلى آخر الآية، وقد نوّه فيها بتعلقه بالمعلومات كلها وكل شيء عنده بمقدار.

3 -إيجاز الإيجاز: فقد اشتملت آية الكرسي على ما لم تشتمل عليه آية من آيات الله سبحانه، وذلك أنها مشتملة على سبعة عشر موضعا فيها اسم الله تعالى ظاهرا في بعضها ومستكنّا في بعضها الآخر، وذلك على الترتيب التالي:

1 -الله، 2 - هو، 3 - الحي، 4 - القيوم، 5 - ضمير لا تأخذه، 6 - ضمير له، 7 - ضمير عنده، 8 - ضمير بإذنه، 9 - ضمير يعلم، 10 - ضمير علمه، 11 - ضمير شاء، 12 - ضمير كرسيه، 13 - ضمير يئوده، 14 - وهو، 15 - العلي، 16 - العظيم، 17 - الضمير المستكنّ الذي اشتمل عليه المصدر وهو «حفظهما» فإنه مصدر مضاف إلى المفعول وهو الضمير البارز ولا بد له من فاعل وهو الله، ويظهر ذلك عند فكّ المصدر فيقول:

ولا يئوده أن يحفظهما هو. وقد حاول أحد الأعلام أن يوصلها إلى واحد وعشرين موضعا، ويعتبر الأسماء المشتقة الواردة فيها تحتاج إلى ضمير كالحي والقيوم والعلي والعظيم، فيكون كل واحد باثنين وبذلك تضاف أربعة مواضع إلى المواضع السبعة عشر، فيكون المجموع واحدا وعشرين موضعا. وقد نازعه علم آخر فقال: هذا لطيف جدا ولكن المشتق لا يقع على موصوفه إلا باعتباره محتملا لضمير، فلا يمكن أن يتميز بحكم الانفراد عن الضمير، ولهذا فالاسم المشتق لا يحتمّل الضمير بعد صيرورته بالتسمية علما، ألا تراك إذا قلت:

زيد كريم فإن «كريم» لم يقع على زيد إلا لأنه يتحمل ضميره، حتى إذا جرّدت النظر إليه لم تجده مختصا بزيد بل لك أن توقعه على كل موصوف بالكرم من الناس. وهذا من أدق مباحث علم المعاني، فتدبره والله يعصمك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت