[سورة البقرة (2) : الآيات 16 إلى 17]
(أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ(16) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (17)
(البلاغة)
في هاتين الآيتين من فنون البلاغة ما تضيق عنه الصحف وسنحاول تلخيص هذه الفنون:
1 -الاستعارة التصريحية الترشيحية والمعنى اختاروا واستبدلوا وقرينة الاستعارة الضلالة ثم رشح لهذه الاستعارة بقوله: (فما ربحت تجارتهم فأسند الربح إلى التجارة فالمستعار منه الذي هو الشراء رشّح لفظي الربح والتجارة للاستعارة لما بين الشراء والربح من الملاءمة، والترشيح هو أن يبرز المجاز في صورة الحقيقة ثم يحكم عليه ببعض أوصاف الحقيقة فينضاف مجاز إلى مجاز ومن ذلك قول حميدة بنت النعمان بن بشير:
بكى الخزّ من روح وأنكر جلده ... وعجّت عجيجا من جذام المطارف
فد أقامت الخز مقام شخص حين باشر روحا بكى من عدم ملاءمته بقولها: وأنكر جلده ثم زادت في ترشيح المجاز بقولها:
وعجّت أي صاحت مطارف الخز من قبيلة روح هذا وهي قبيلة جذام ومعنى البيت أن روحا وقبيلته جذام لا يصلح لهم لباس الخز ومطارفه لأنهم لا عادة لهم بذلك فكنى عنهم بما كنى في البيت.
2 -الفرق بين اشتروا واستبدلوا من وجهين:
ا - أن الاستبدال لا يكون شراء إلا إذا كان فيه فائدة يقصدها المستبدل منه سواء كانت حقيقية أم وهمية.
ب - أن الشراء يكون بين متبايعين بخلاف الاستبدال فإذا أخذت ثوبا من ثيابك بدل آخر يقال: انك استبدلت ثوبا بثوب فالمعنى الذي تؤدي إليه الآية أن أولئك القوم اختاروا الضلالة على الهدى لفائدة لهم بإزائها يعتقدون الحصول عليها من الناس فهو معاوضة بين طرفين يقصد بها الربح وهذا هو معنى الاشتراء ومثلهما البيع والابتياع ولا يؤديه مطلق الاستبدال، إذا عرفت هذا أدركت السرّ في اختيار اشتروا على استبدلوا، وتبينت أن القرآن وهو أعلى درج البلاغة لا يختار لفظا على لفظ من شأنه أن يقوم مقامه إلا لحكمة في ذلك، وخصوصية لا توجد في غيره.
3 -التتميم في قوله: «وما كانوا مهتدين» وحدّه أن يأتي
في الكلام كلمة أو كلام إذا طرح منه نقص معناه في ذاته أو في صفاته أو لزيادة حسنة فقوله: «وما كانوا مهتدين» تتميم لما تقدّم أفاد بأنهم ضالون في جميع ما يتعاطونه من عمل.
4 -التشبيه التمثيلي: في قوله: «مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم» وحقيقة التشبيه التمثيلي أن يكون وجه الشبه فيه صورة منتزعة من متعدّد أي أن حال المنافقين في نفاقهم وإظهارهم خلاف ما يسترونه من كفر كحال الذي استوقد نارا ليستضيء بها ثم انطفأت فلم يعد يبصر شيئا، وهكذا يبدو لك أن التشبيه التمثيلي يعمل عمل السحر في تأليف المتباينين، ويريك للمعاني المتمثلة بالأوهام شبها في الأشخاص الماثلة وينطق لك الأخرس ويعطيك البيان من الأعجم ويريك الحياة في الجماد، ويجعل الشيء قريبا بعيدا، ومن أمثلته في الشعر قول بشار:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
فقد شبّه ثوران النقع المنعقد فوق الرؤوس والسيوف المتلاحمة فيه أثناء الحرب بالليل الأسود البهيم تتهاوى فيه الكواكب، وتتساقط الشهب وقول أبي تمام يصف الربيع:
يا صاحبيّ تقصّيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصوّر
تريا نهارا مشمسا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر
شبه النهار المشمس في الروض البهي المكلل بالأزاهير بالليل المقمر الساجي.
5 -المخالفة بين الضميرين فقد وحد الضمير في استوقد وحوله نظرا إلى جانب اللفظ لأن المنافقين كلهم على قول واحد وفعل واحد، وأما رعاية جانب المعنى في (بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ)
فلكون المقام تقبيح أحوالهم وبيان ذاتهم وضلالهم فاثبات الحكم لكل فرد منهم واقع.
6 -مراعاة النظير: وهو فن يعرف عند علماء البلاغة بالتناسب والائتلاف وحدّه أن يجمع المتكلم بين أمر وما يناسبه مع إلغاء ذكر التضادّ لتخرج المطابقة وهي هنا في ذكر الضوء والنور والسرّ في ذكر النور مع أن السياق يقتضي أن يقول بضوئهم مقابل أضاءت هو أن الضوء فيه دلالة على الزيادة فلو قال بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نورا والغرض هو إزالة النور عنهم رأسا وطمسه أصلا ويؤكد هذا المعنى أنه قال ذهب بنورهم ولم يقل: أذهب نورهم والفرق بينهما أن معنى أذهبه أزاله وجعله ذاهبا ومعنى ذهب به استصحبه ومضى به معه والغرض إفادة أنه لم يبق مطمع في عودة ذلك النور إليهم بالكلية إذ لو قيل: أذهب الله نورهم ربما كان يتوهم أنه إنما أذهب عنهم النور وبقي هو معهم فربما عوضهم بدل ما فاتهم فلما قال: ذهب الله بنورهم كان ذلك حسما وانقطاعا لمادة الاطماع من حصولهم على أي خير لهم أو منهم وهذا من أسمى ما يصل إليه البيان وقد تعلق ابن الرومي بأهداب هذه البلاغة حين قال في وصف العنب الرّازقيّ:
لم يبق منه وهج الحرور ... إلّا ضياء في ظروف نور
فجعل ماء العنب ضوءا لأنه أشد توهّجا وأكثر لألاء من قشره
الذي هو بمثابة نور يصون ذلك الضوء ويحفظه فما أبرع ابن الرومي في اقتباسه.
(الفوائد)
1 -لكاف التشبيه ثلاث حالات:
أ - يتعيّن أن تكون اسما وهي ما إذا كانت خبرا أو فاعلا أو مفعولا أو مجرورة بحرف أو إضافة كما تقدم في الآية وكقول أبي الطيب:
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا
ب - يتعين أن تكون حرفا وهي الواقعة صلة للموصول.
ج - يجوز فيها الأمران فيما عدا ذلك وسيأتي المزيد من بحث الكاف في هذا الكتاب.
2 -ترك: في الأصل بمعنى طرح وخلّى فيتعدّى لواحد وقد يتضمن معنى التصيير فيتعدّى لاثنين.