(ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ(154)
(اللغة)
(النعاس) : بضم النون مقاربة النوم أو أوله، [[وفترة] ] في الحواس.
(البلاغة)
لو شئنا الإسهاب في إظهار مواطن البلاغة المنطوية فيها لضاق بنا المجال، وحسبنا أن فلم بها إلماما سريعا يأتي على ما تطول فيه العبارة وتمتد، فمنها:
1 -الإيجاز: ويبدو في كثير من المواطن فيها على الشكل التالي:
أ - في كلمة ثم الواقعة في مستهلها للدلالة على أن تراخيا من الزمن قد امتد بعد أن حل بهم ما حل في وقعة أحد في تلك الحادثة العجيبة، فبعد تصعيدهم في الجبل، وإشاحة وجوههم عن رؤية ما حدث لفرط ما نابهم من الدهشة واستولى عليهم من الفزع والهلع أتبعهم الله غما بعد غم أو على غم، أو بسببه حدث نزول الأمن فرنّق النعاس في الأجفان، وهوّمت الرؤوس، واسترخت المفاصل فكانوا يميدون تحت الحجف، وكانت السيوف تسقط من أيديهم.
والحجف بفتحتين جمع حجفة اسم الترس أو الدرقة.
ب - في كلمة «أمنة» وإبدال النعاس منها إيجاز كثير يدل على أن الأمن والهدوء استوليا عليهم فور ترنيق النعاس وأخذ دبيب الكرى بمعاقد أجفانهم، وإنما ينعس من أمن وزايله الخوف، والخائف لا ينام، بل يرى أعداءه في كل مكان. وقد رمق المتنبي هذه السماء العالية فقال:
وضاقت الأرض حتى كاد خائفهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
ج - في كلمة «شيء» من قوله: «هل لنا من الأمر من شيء» التي احتوت على ما تضيق عنه الصحف كالنصر والظهور على العدو بعد أن اشتدت وطأته وضراوته.
د - في حذف خبر «طائفة» تنزيها لهم عن نسبة من اهتموا بأنفسهم ولم تبق لهم رغبة إلا في نجاتها دون النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه فانهم لم يناموا، أما تقدير الخبر فيمكن أن يقدر: «تعرفهم بسيماهم» .
2 -الكناية فقد كنى بالمضاجع عن المصارع حيث لاقوا حتفهم وصافحوا مناياهم.
3 -المخالفة في جواب لو، فقد جاء مرة بغير لام وجاء مرة مقترنا بها وفي هذا سر عجيب فقد قال: «لو كان لنا من الأمر من شيء ما قتلنا هاهنا» ثم قال: «لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل» والقاعدة المعروفة هي أن جواب لو إذا كان منفيا بما فالأكثر عدم اللام وفي الإيجاب بالعكس لأن الإيجاب أحوج إلى التثبيت والترسيخ وهذا من الأسرار التي تميز كتاب الله بها ليكون المعجزة أبد الدهر.
(الفوائد)
1 -هذه الآية تجمع حروف المعجم ليس في القرآن غيرها وغير آية الفتح وهي قوله تعالى: «محمد رسول الله» إلى قوله: «وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما» .
2 -لا بد في بدل الاشتمال من عائد يربطه بالأول فأما في قوله:
«نعاسا» فالمراد: نعاسا فيها، لأن المخاطب يعلم ذلك بسهولة كما تقدم. لأن كلا من الأمنة والنعاس مشتمل على الآخر.