[سورة المائدة (5) : الآيات 92 إلى 93]
(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ(92) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)
(البلاغة)
تقدم البحث في التكرار أو التكرير، وهما مصدران لكرّر المضعفة، وقلنا: إن حده أن يكرر الكاتب أو الشاعر الكلمة أو الكلمتين فصاعدا، لتأكيد ما يتحدث عنه، ليزداد رسوخا في الذهن، أو لغرض آخر. وفي هذه الآية يحتمل أن يكون التكرار إشارة إلى العلاقات التي يرتبط بها الإنسان في حياته، وهي: علاقة الإنسان بنفسه، وعلاقة الإنسان بغيره، وعلاقة الإنسان بربه، ولذلك عقّب عليها بالإحسان في الكرة الثالثة، ويحتمل أن يكون إشارة إلى مراحل العمر الثلاث التي يجتازها الإنسان في رحلته الحياتية، وهي: مرحلة البدء بالحياة، ومرحلة الوسط في العمر، ومرحلة المنتهى. ولعل الاحتمالين مرادان في هذا التكرار البديع، زيادة في التقوى والتجمّل وإقامة الموازين القسط في جميع مراحل حياته وحالاته الثلاث، وسيأتي من التكرير في هذا الكتاب ما يسحر الألباب، واستمع إلى قول البحتري متغزّلا:
ويوم تثنّت للوداع وسلّمت ... بعينين موصول بلحظهما السحر
توهمتها ألوى بأجفانها الكرى ... كرى النوم أو مالت بأعطافها الخمر
فالكرى هو النوم، ولكن في تكريره هنا معنى يدرك بالبداهة، أشبه بأخذة السحر.
واستمع إلى قول المساور بن هند:
جزى الله عنّي غالبا من عشيرة ... إذا حدثان الدهر نابت نوائبه
فكم دافعوا من كربة قد تلاحمت ... عليّ وموج قد علتني غواربه
فصدر البيت الثاني وعجزه يدلّان على معنى واحد، لأن تلاحم الكرب عليه كتعالي الموج من فوقه، وإنما سوّغ ذلك أنه مقام مدح وإطراء، ألا ترى أنه يصف إحسان هؤلاء القوم عند حدثان دهره، في التكرير! وفي قبالته لو كان القائل هاجيا فإن الهجاء في هذا كالمدح.
ونحب هنا أن نستدرك فنقول ليس كل تكرير حسنا، فبعضه يكون غثا كقول أبي الطيب المتنبي من قصيدته البديعة التي يقول في مطلعها:
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهمّ أخلاهم من الفطن
وهذا من أجمل الشعر وأروعه، على أنه ما لبث أن قال:
العارض الهتن ابن العارض ال ... هتن العارض الهتن ابن العارض الهتن
فهذا ليس من التكرير المستحسن، لأنه كقولك: الموصوف بكذا ابن الموصوف بكذا وكذا، أي إنه عريق النسب بهذا الوصف، فلم يأت بجديد، ثم اللفظ ليس بمرضي على هذا الوجه الذي قد استعمل فيه، فإن استعمالها في حالة التركيب يذهب بحسنها. ومن طريف التكرير قول المقنع الكندي:
وإنّ الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غيّي هويت لهم رشدا
وحسبنا ما تقدم الآن.