فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 1401

[سورة البقرة (2) : الآيات 178 إلى 179]

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ(178) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)

(البلاغة)

في آية القصاص سموّ بياني منقطع النظير لأنها تنطوي على فنون عديدة ندرجها فيما يلي:

1 -الإيجاز: فقد كان العرب يتباهون بقولهم: «القتل أنفى للقتل» فجاءت آية القرآن وهي «في القصاص حياة» أكثر إيجازا وأرشق تعبيرا لأنها أربع كلمات وهي «في، ال، قصاص، حياة» وقول العرب ست وهي «ال، قتل، أنفى، وضميره لأنه اسم مشتق، اللام، قتل» ولأن حروفها الملفوظة الثابتة وقفا ووصلا أحد عشر حرفا وحروف قول العرب أربعة عشر حرفا.

2 -المجاز المرسل في قوله: «في القصاص حياة» فقد جعل ما هو تفويت للحياة وذهاب بها ظرفا لها إذ القصاص مزجرة قوية عن إقدام الناس على القتل، فارتفع بسببه القتل عن الناس، وارتفاع سبب الموت ديمومة للحياة السابقة.

3 -تعريف القصاص وتنكير الحياة، أي أنه كان لكم في هذا الجنس من القصاص حياة عظيمة لا تدركون كنهها، لأن القاتل يرتدع عن القتل فتصان بذلك حياة الابرياء، ويزدجر البغاة، ومن ركزت في نفوسهم طبيعة الإجرام.

4 -تعجيل الترغيب والتشويق بذكر الحياة وبها يتنسم السامع رائحة الحياة وطيبها وحلاوتها لأنها أتت نتيجة حتمية للقصاص بعكس كلمة العرب التي تبتدئ بذكر الموت وقد رمق أبو الطيب سماء هذا المعنى ببيته الخالد:

إلف هذا الهواء أوقع في الأنفس أنّ الحمام مرّ المذاق 5 - الطباق بين الحياة والموت للمفارقة بين الضّدّين ولا يظهر حسن الضدّ إلا الضد على حد قول صاحب اليتيمة متغزلا:

فالوجه مثل الصّبح مبيضّ ... والفرع مثل الليل مسودّ

ضدّان لما استجمعا حسنا ... والضّدّ يظهر حسنه الضدّ

وقد جاء القصاص في الآية، وهو في الأصل تعبير عن الموت محلا لضده وهو الحياة.

6 -التنكير في الحياة يدل على أن في هذا الجنس البشري نوعا من الحياة يتميّز عن غيره ولا يستطيع الوصف أن يبلغه، لأنهم كانوا يقتلون الجماعة بالواحد فتهيج الفتنة وتستشري بينهم، ففي شرع القصاص سلامة ومنجاة من هذا كله.

7 -التعميم الذي يتجاوز التخصيص، فليس القتل وحده سبب القصاص ولكن ينتظم فيه جميع الجروح والشّجاج، لأن الجارح إذا علم أنه إذا جرح جرح صار ذلك سببا لبقاء الجارح والمجروح، وربما أفضت الجراحة إلى الموت، فيقتصّ من الجارح.

8 -ليس في قول العرب كلمة يجتمع فيها حرفان متحركان إلا في موضع واحد، بل كلها أسباب خفيفة أكثرها متوالية، وذلك ينقص من سلامة الكلمة وجريانها على اللسان، بخلاف آية القرآن

9 -المقصود الاصلي الذي هو الحياة مصرّح به في الآية، ومدلول عليه بالالتزام في كلمة العرب.

10 -الاطراد في الآية دون قولهم إذ يوجد قتل لا ينفي القتل بل يكون أدعى له، كالقتل ظلما. وإنما يطرد إذا كان على وجه القصاص وهو مشتق من اطرد الماء وهو جريه من غير توقف.

11 -خلو الآية مما يكره من لفظ القتل وما يجسده من سيل الدماء وتمزّق الاشلاء.

12 -خلوّ الآية من التكرار مع التقارب واتحاد المعنى والتئامه.

13 -خلوّ الآية من تكرار قلقلة القاف.

14 -شمول الآية لحكم الجرح في الأطراف.

15 -المبالغة في القصاص ظرف للحياة، ففيه جعل نقيض الشيء منبعا له، فكأنه يحيط به تفاديا لفواته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت