(الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً(141)
(البلاغة)
في هذه الآية مجاز مرسل، وذلك في قوله «فتح» فقد سمى الظفر الذي ناله المسلمون فتحا باعتبار ما يئول إليه الظفر. لأنه أمر تبتهج له النفوس، وتطمئن إليه القلوب، وتتفتح له أبواب السماء.
وقد رمق الشعراء سماء هذا المعنى وكان السابق في هذا الميدان أبا تمام الطائي في قصيدته فتح الفتوح التي مدح بها المعتصم بالله، ووصف وقعة عمورية، وقد قالها سنة مئتين وثلاث وعشرين للهجرة.
وعمّورية من أعظم بلاد الروم في آسية الصغرى. وكان السبب في زحف المعتصم إليها أن تيوفيل بن ميخائيل ملك الروم خرج إلى بلاد المسلمين فبلغ زبطرة، وهي بلدة في آسية الصغرى بين ملطية وسميساط، وفيها ولد المعتصم، فاستباحها قتلا وسبيا، ثم أغار على ملطيه وغيرها، فقتل وسبى ومثّل بالأسرى. وبلغ الخبر المعتصم فاستعظمه، وقيل: إن عربية صاحت وهي في أيدي الروم: وا معتصماه! فأجاب وهو على سريره: لبيك، لبيك. ونهض ونادى بالنفير وسار إلى عمورية. وتقول الرواية العربية: إنها المدينة التي ولد فيها تيوفيل، وحاصرها واستدل على عورة في السور فرمى السور من هذه الناحية فتصدع، ودخل العرب المدينة، وذبحوا سكانها وأحرقوها وسبوا نساءها وأولادها، وكان أبو تمام في صحبته وشهد الواقعة بنفسه، وكان المنجمون قد زعموا للمعتصم أن الزمان لا يوافق الفتح، وأن المدينة لا تفتح إلا في وقت نضج التين والعنب، فلم يسمع المعتصم لقولهم وسار بجيشه ففتحها. ونجد أبا تمام يتحدث عن هذا كله في قصيدته فكأنها سجل تاريخي لهذه الموقعة العظيمة، وقد استهلها بقوله:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب
فتح الفتوح تعالى أن يحيط به ... نظم من الشعر أو نثر من ا
لخطب فتح تفتح أبواب السماء له ... وتبرز الأرض في أثوابها القشب
ثم يقول مخاطبا المعتصم:
لقد تركت أمير المؤمنين بها ... للنار يوما ذليل الصخر والخشب
ويتحدث عن هزيمة ملك الروم:
لما رأى الحرب رأي العين توفلس ... والحرب مشتقة المعنى من الحرب
ولى وقد ألجم الخطي منطقه ... بسكتة تحتها الأحشاء في صخب
تسعون ألفا كآساد الشرى نضجت ... جلودهم قبل نضج التين والعنب
ومن البلاغة بالمكانة العالية أنه سمى ظفر المسلمين فتحا، وسمى ظفر الكافرين نصيبا، تعظيما لشأن الأولين وتنويها بأن النتيجة الحتمية هي للصابرين المؤمنين المتذرعين بالعقيدة التي لا تتحلحل ولا تهون، وللإشعار بأن ظفر الكافرين ما هو في عمر الزمن إلا حظ دنيّ، ولحظة من الدنيا يصيبونها، وملاوة من العيش يسبحون في تيارها.