فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 1401

(البلاغة)

اشتملت هذه السورة، على قصرها، على أفانين متعددة من البلاغة ندرجها فيما يلي:

1 -جملة (الحمد لله) خبر لكنها استعملت لإنشاء الحمد وفائدة الجملة الاسمية ديمومة الحمد واستمراره وثباته.

2 -في قوله (إياك نعبد وإياك نستعين) فنّ التّقديم فقد قدّم الضمير لحصر العبادة والاستعانة بالله وحده، وقدمت العبادة على الاستعانة لأن الاستعانة ثمرتها وإعادة إياك مع الفعل الثاني تفيد أن كلّا من العبادة والاستعانة مقصود بالذات فلا يستلزم كل منهما الآخر ولأن الكاف التي مع إيّا هي الكاف التي كانت تتصل بالفعل أعني بقوله نعبد لو كانت مؤخرة بعد الفعل وهي كناية عن اسم المخاطب المنصوب بالفعل فكثّرت بإيّا متقدمة وكان الأفصح إعادتها مع كل فعل.

3 -وفي قوله (لله) فن الاختصاص للدلالة على أن جميع المحامد مختصة به وكذلك بالإضافة في قوله مالك يوم الدين لزوال المالكين والأملاك عن سواه في ذلك اليوم.

4 -وفي هذه السورة فن الالتفات من لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب ومن لفظ الخطاب إلى لفظ الغيبة والغرض من هذا الفن التّطرية لنشاط الذهن جريا على أساليبهم، ولأنه لما أثنى على الله بما هو أهل له وأجرى عليه تلك الصفات العظيمة ساغ له أن يطلب الاستعانة منه بعد أن مهد لذلك بما يبرر المطالبة وهو، تعالى، خليق بالاستجابة، وللإشعار بأن أولى ما يلجأ إليه العباد لطلب ما يحتاجون إليه هو عبادته تعالى والاعتراف له بصفات الألوهية، البالغة.

وقال «صراط الذين أنعمت عليهم» فأصرح الخطاب لما ذكر النّعمة ثم قال: (غير المغضوب عليهم) فزوى لفظ الغضب عنه تحنّنا ولطفا وهذا غاية ما يصل إليه البيان، وهذه مراتب الالتفات في هذه السورة:

أ - عدل عن الغيبة إلى الخطاب بقوله: (إياك نعبد وإياك نستعين) بعد قوله: (الحمد لله رب العالمين لأن الحمد دون العبادة في المرتبة ألا تراك تحمد نظيرك ولا تعبده فلما كانت الحال بهذه المثابة استعمل لفظ الحمد لتوسطه مع الغيبة في الخبر ولم يقل الحمد لك.

ب - ولما صار إلى العبادة وهي قصارى الطاعات قال: «إياك نعبد وإياك نستعين» فخاطب بالعبادة إصراحا بها، وتقرّبا منه عزّ وجلّ بالانتهاء إلى عدد محدود منها.

ح - وعلى نحو من ذلك جاء آخر السّورة فقال: «صراط الذين أنعمت عليهم» فأصرح الخطاب لما ذكر النعمة ثم قال: (غير المغضوب عليهم) عطفا على الأول، لأن الأول موضع التقرّب من الله بذكر نعمه وآلائه فلما صار إلى ذكر الغضب جاء باللفظ منحرفا عن ذكر الغاضب فأسند إليه النعمة لفظا وزوى عنه لفظ الغضب تحنّنا ولطفا.

د - وأتى بنون الجمع في قوله: «نعبد» و «نستعين» والمتكلم واحد لأنه ورد في الشّريعة أنه من باع أجناسا مختلفة صفقة واحدة ثم ظهر للمشتري في بعضها عيب فهو مخيّر بين ردّ الجميع أو إمساكه وليس له تبعيض الصّفقة، بردّ المعيب وإبقاء السّليم، وهنا لما رأى العابد أن عبادته ناقصة معيبة لم يعرضها على الله مفردة بل جنح إلى ضمّ عبادة جميع العابدين إليها وعرض الجميع صفقة كاملة راجيا قبول عبادته في ضمنها لأنّ الجميع لا يردّ البتّة، إذ بعضه مقبول وردّ المعيب، وابقاء السليم تبعيض للصفقة وقد نهى سبحانه عباده عنه، وهو لا يليق بكرمه العظيم، وفضله العميم فبقي قبول الجميع.

5 -وعلى ذكر استهلال القرآن بالفاتحة نذكر هذا الفنّ في الفاتحة، وهو براعة الاستهلال، وهو من أرقّ فنون البلاغة وأرشقها، وحدّه أن يبتدئ المتكلم كلامه بما يشير إلى الغرض المقصود من غير تصريح بل بإشارة لطيفة، وإيماءة بعيدة أو قريبة، والاستهلال في الأصل: هو رفع الصوت، وسمي الهلال هلالا لأن الناس يرفعون أصواتهم عند رؤيته ومن أمثلته في الشعر قول أبي تمام في مطلع قصيدته:

«فتح عمورية» :

السّيف أصدق أنباء من الكتب ... في حدّه الحدّ بين الجدّ والّلعب

فقد استهلّ قصيدته بذكر السيف وفيه إيماءة قريبة جدا إلى الموضوع الذي نظمت القصيدة بصدده وقد اشتهر ابو الطيب ببراعة مطالعه ومن روائعها قوله:

أتراها لكثرة العشّاق ... تحسب الدّمع خلقة في المآقي

فقد ألمع إلى موضوع قصيدته وهو الغزل برشاقة زادها ابتكار المعنى في حسبان الدمع خلقة في المآقي حسنا وجمالا.

6 -الاستعارة التّصريحيّة في قوله: «اهدنا الصراط المستقيم» فقد شبه الدين الحق بالصراط المستقيم الذي ليس به أدقّ انحراف قد يخرجه عن حدود الاستقامة لأن الخط المستقيم هو أقصر بعد بين نقطتين ووجه الشبه بينهما أن الله سبحانه وإن كان متعاليا عن الأمكنة لكن العبد الطالب الوصول لا بد له من قطع المسافات، ومس الآفات، ليكرم الوصول والموافاة.

7 -التفسير بعد الإبهام وذلك في قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ».

8 -التسجيع في الرحيم والمستقيم وفي «نستعين» و «الضالين» والتسجيع هو اتفاق الكلمتين في الوزن والرّويّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت