فهرس الكتاب

الصفحة 1157 من 1401

[سورة المائدة (5) : الآيات 116 إلى 120]

(وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ(116) ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)

(البلاغة)

في قوله: «إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم» فن من فنون البلاغة، منقطع النظير، صعب الإدراك، يحتاج المتأمل فيه إلى الكثير من رهافة الحسّ، وشعوف الطبع، ويسمى فن التخيير. وحدّده علماء البلاغة بأن يأتي الشاعر أو الناثر بفصل من الكلام أو بيت من الشعر يسوغ أن يقفّى بقواف شتى فيتخير منها قافية مرجحة على سائرها، ويستدل بإيثاره إياها على حسن اختياره وصدق حسه، وقد تقضي البداهة الأولى بأن تكون غير ما اختاره، ولكنه عزف عن ذلك لسرّ دقيق كقول أحدهم:

إنّ الغريب الطويل الذيل ممتهن ... فكيف حال غريب ما له قوت

فإنه يسوغ أن يقول: ما له نشب، أو ما له سيد، أو ما له أحد.

وإذا نظرت إلى ما قاله وهو: «ماله قوت» وجدتها أبلغ من الجميع، وأدلّ على الفاقة والعوز، وأمسّ بذكر الحاجة، وأشجى للقلوب، وأدعى للاستعطاف. فذلك رجحت على ما سواها.

القول في الآية:

ونعود بعد هذا التعريف السريع لهذا الفن إلى الآية التي نحن بصددها فنقول: إن البداهة البدائية تقضي بأن تكون الفاصلة:

«إنك أنت الغفور الرحيم» لملاءمتها لقوله: «إن تغفر» ولمناسبته ما بين الغفران والغفور، ولكنّ هذا الوهم الناجم عن هذه البداهة سرعان ما يزول أثره عند ما يذكر المتوهم أن هؤلاء قد استحقوا العذاب دون الغفران، فيجب أن تكون الفاصلة: «العزيز الحكيم» إذ لو

جاءت «الغفور الرحيم» بعد ذكر الغفران - وهو لا يغفر لهم - فوجب أن تكون الفاصلة كما وردت، لأن الله سبحانه ممتنع عن القهر والمعارضة، والعزيز هو الممتنع، ولا بد من أن يصف نفسه بعد وصفه بالعزة بالحكمة، لأنه الحكيم الذي يضع كل شيء موضعه.

طرفة الأصمعي:

وقد مرت معنا في السابق طرفة الأصمعي، وهي ما ذكره أنه كان يقرأ يوما فقرأ: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله غفور رحيم» وكان يسمعه أعرابي، فاعترضه وغلّطه، فراجع الأصمعي الآية، فإذا بها «والله عزيز حكيم» ، فقال للأعرابيّ: كيف عرفت ذلك؟ فقال: يا هذا عزّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع. فدهش الأصمعي وأفحم.

وخفي هذا السر على أبي حيان:

وقد خفي سر هذا الفن على أبي حيان - على جلالة قدره - فقال في «البحر» محاولا تعليل الاعتراض ما نصه: «وقال أبو بكر ابن الأنباري: وقد طعن على القرآن من قال: إن قوله: «فإنك أنت العزيز الحكيم» لا يناسب قوله: «وإن تغفر لهم» لأن المناسب «فإنك أنت الغفور الرحيم» . والجواب أنه لا يحتمل إلا ما أنزله الله تعالى، ومتى نقل إلى ما قاله هذا الطاعن ضعف معناه، فإن ينفرد الغفور الرحيم بالشرط الثاني ولا يكون له بالشرط الأول تعلّق.

وهو ما أنزله الله تعالى وأجمع على قراءته المسلمون».

ونقول: ولو عرف أبو حيّان هذا الفنّ لأجاب بما قدّمناه، ولم يتكلّف الأجوبة البعيدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت