فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 1401

(الفوائد)

1 -فشل محاولات التحدي: دعا القرآن قريشا إلى أن تحاول محاكاة القرآن تحديا لها في مواطن كثيرة أبرزها الآية التي نحن بصددها ويظهر أنها حاولت أن تردّ على هذا التحدي فعجزت عن هذا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم تنقطع الرغبة في تقليد القرآن بعد حياته، فقد حاول مسيلمة الكذاب الذي ظهر باليمامة في بني حنيفة وطليحة بن خويلد الذي تنبّأ في بني أسد والأسود العنسي الذي تنبّأ في اليمن وسجاح التي ظهرت في بني تغلب ولا سبيل إلى الجزم بأن الكلام الذي جاء به هؤلاء منسوب إليهم حقيقة بل نرجّح أنه من تخيّل القصّاص المتأخرين، فمن هذا الكلام المتهافت الذي نسب إلى مسيلمة أنه كان يقول: «يا ضفدع بنت ضفدعين، نقّي ما نقين، نصفك في الماء ونصفك في الطين، لا الماء تكدّرين، ولا الشارب تمنعين» وواضح تماما أن هذا الهراء ليس من لغة الجاهلين في شيء، ومع هذا فقد خدع عنه الجاحظ، أو هو يسخر منه حين يقول: «ولا أدري ما الذي هيّج مسيلمة حتى ساء رأيه في الضفدع» وأما وحي الأسود العنسي - كما يقول - فكان ينزل به عليه - على زعمه - ملك أسماه:

ذا ضمار وكان رجلا فصيحا يجيد سجع الكهّان وقد ضاع كلامه ولم يصلنا منه شيء، وأما وحي طلحة فقد كان ينزل به عليه - فيما يزعم - ملك سمّاه ذا النون ثم عدل عن ذي النون وقال لا بل هو جبريل ولم يعرف شيء عن قرآنه المزعوم وأما سجاح فقد ادّعت قرآنا إلا أن وحيها صمت حين لقيت مسيلمة وتزوجته ذلك الزواج الماجن المضحك، الذي تذكر مخازيه كتب الأدب والتاريخ، وذكر ابن قيّم الجوزيّة والباقلّاني أن عبد الله بن المقفع عند ما انتهى إلى قوله تعالى: «حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور» إلى قوله: «وقيل بعدا للقوم الظالمين» عدل عن إنشاء قرآنه وقال: هذا لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله، وترك المعارضة وأحرق ما كان اختلقه، ويقول الباقلّاني: إن قوما أدعوا أن ابن المقفع عارض القرآن في كتابه «الدرّة اليتيمة» ولكنه لم يجد فيما أنشأ ابن المقفع في هذا الكتاب ما يصح أن يكون تقليدا للقرآن.

وكان شاعرنا العظيم أبو الطيب المتنبي قد تنبأ - فيما يقول الرواة - في بادية السماوة وأنشأ كلاما سماه قرآنا منه قوله: «والنجم السيّار، والفلك الدوّار، والليل والنهار، إن الكافرين لفي أخطار امض على سننك، واقف من كان قبلك من المرسلين، فإن الله قامع بك زيغ من ألحد في دينه، وضلّ عن سبيله» إلا أن المتنبي عدل عن هذه المحاولة، على أننا نشك كثيرا في هذه الروايات لأن المتنبي كان أحصف من أن ينسب إلى نفسه مثل هذا الهراء ولأسباب أخرى لا مجال لبحثها الآن.

ومن الذين اتهموا أيضا بهذه التهمة أبو العلاء المعري في كتابه «الفصول والغايات، في محاذاة السّور والآيات» ومما ورد في هذا الكتاب «سبحانك مؤبّد الآباد، هل للمنية نسب إلى الرّقاد؟

لا أتخيل إذا انتبهت أحدا من الأموات، إذا هجعت لقيني قريب عهد بالمنية، ومن فقدت منذ أزمان، أسألهم فيجيبون وأحاورهم فيتكلمون كأنهم بحبل الحياة معلّقون، لو صدق الرقاد لسكنت إلى ما يخبر عنه سكان القبور ولكن الهجعة كثيرة الكذاب» وقد ذكر مصطفى صادق الرافعي من أدبائنا المحدثين في كتابه الممتع: «إعجاز القرآن» ما نصه: «وتلك ولا ريب فرية على المعري أراده بها عدوّ حاذق لأن الرجل أبصر بنفسه وبطبقة الكلام الذي يعارضه» أما الدكتور طه حسين فقد ذكر في كتابه «مع أبي العلاء في سجنه» ما خلاصته:

هل أراد أبو العلاء إلى معارضة القرآن في الفصول والغايات كما ظن بعض القدماء؟ نعم ولا، نعم إن فهمنا من المعارضة مجرد التأثر والمحاكاة، ولا إن فهمنا من المعارضة أن أبا العلاء قد نظر إلى القرآن على أنه مثل أعلى في الفن الأدبي فتأثّره وجدّ في تقليده كما يتأثر كل أديب بما يعجب به من المثل الفنية العليا، ذلك شيء لا شك فيه فأيسر نظر في كتاب «الفصول والغايات» يشعرك بأن أبا العلاء حاول أن يقلد قصار السور وطوالها وليس المهم أنه وفق في هذا التقليد أو لم يوفق بل من المحقق أن التوفيق لم يقدر له، كما لم يقدر لغيره».

2 -نصّ النحاة والأصوليون على أن إن الشرطية لا يعلّق عليها

إلا مشكوك فيه فلا تقول: إن غربت الشمس آتك بل إذا غربت آتيك وإن إذا يعلق عليها المشكوك فيه والمعلوم والشك على الله محال فكيف جاءت هنا؟ والجواب أن الخصائص الإلهية لا تدخل في أوضاع العربية بل هي مبنية على خصائص الخلق، وهذا منزّل منزلة كلامهم فيما بينهم كأنه قيل: إن العادة بين الناس الشك في أمر الإله والرسول والمعاد وليس ذلك ما وقع القطع به في الذهن إلا بعد قيام النظر وقيام الأدلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت