فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 1401

[سورة البقرة(2): آية 124]

(وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)

(البلاغة)

في هذه الآية فن طريف من فنونهم يقال له: فنّ المراجعة وهو أن يحكي المتكلم مراجعة في القول جرت بينه وبين محاور في الحديث أو بين اثنين غيره بأوجز عبارة، وأبلغ إشارة، وأرشق محاورة، مع عذوبة اللفظ وجزالته، وسهولة السبك، انظر إلى هذه القطعة من الكلام التي عدة ألفاظها ثلاث عشرة لفظة كيف جمعت معاني الكلام من الخبر والاستخبار، والأمر والنهي والوعد والوعيد وهذا هو التفصيل:

1 -الخبر في قوله: «إني جاعلك» وهو في الحقيقة وعد باستخلافه على الناس.

ب - الاستخبار في ضمن الخبر لأنه فرع عليه إذ الخبر يصير استخبارا بتصدير ما يدلّ على الاستفهام.

ج - الأمر في قوله: «ومن ذريتي» فإن معناه الطلب لذريته ما وعد به من الاستخلاف، فكأنه قال: رب وافعل ذلك لبعض ذريتي وكل طلب أمر لكنه إذا كان من الله سبحانه أوجب حسن الأدب أن يسمى دعاء ولا يطلق عليه لفظ الأمر وإن كان أمرا في أصل الوعد.

د - النهي وهو في ضمن الأمر لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده فكأن معناه ولا تحرم بعض ذريتي ذلك.

هـ - الوعد تقدم بيانه في الخبر.

والوعيد في قوله: «لا ينال عهدي الظالمين» فإن حاصل ذلك أن الظالمين من ذريتك لا ينالهم استخلافي وحرمان ذلك غاية الوعيد.

ومن شواهد هذا الفن الشعرية قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:

بيننا ينعتني ابصرنني ... دون قيد الميل يعدو بي الأغر

قالت الكبرى: ترى من ذا الفتى؟ ... قالت الوسطى لها: هذا عمر

قالت الصغرى وقد تيمتها ... قد عرفناه وهل يخفى القمر؟

وفي هذه الأبيات نكتتان بليغتان تدلان على قوة عارضة الشاعر

صاحب الفستق المقشر، كما يسمون شعره، ومعرفته بوضع الكلام مواضعه وهما:

1 -أن قوافي الأبيات لو أطلقت لكانت كلها مرفوعة.

2 -أنه جعل التي عرفته من جملة البنات وعرّفت به وشبهته تشبيها يدل على شغفها بحبه هي الصغرى منه ليدل على أنه فتيّ السن بدليل الالتزام إذ الفتية من النساء لا تميل إلا إلى الفتى من الرجال غالبا ليدمج في ذلك عذره بالصّبوة وأنه إنما كان منه ذلك في أيام الشبيبة.

3 -ونكتة ثالثة تربو على جميع ما تقدم وهي في التذييل الذي أخرجه مخرج المثل السائر حيث قال في الحكاية عنها: وهل يخفى القمر ولا يحسب أحد أن الصغرى مالت إليه لغرارتها وضعف عقلها وتقاصره عن التمييز وقلة التجربة، ذلك أنه أخبر عن الكبرى أنها ما كانت تعرفه وقد راقها وشغفها حبا حين رأته حتى لم تتمالك عن التساؤل عنه، أو أنها عارفة به وإنما سألت عنه تغطية لأمرها وتعمية فيه من باب تجاهل العارف، إما إظهارا لفرط التّولّه والتّدلّه في الحب أو لأنها كانت تنتظر أن تجاب باسمه فتلتذ بسمعه، أما الوسطى فقد صرحت باسمه لأن منزلتها في رجاحة العقل وحصافته ورصانة اللب ونزاهته دون منزلة الكبرى فلما سترت الكبرى نفسها بالسؤال عنه لما يقتضيه عقلها صرحت الوسطى باسمه ومعرفته بالنسبة وأبانت الصغرى عما في نفسها منه بوصفها له بصفة تدل على عظم مكانته من قلبها لمكان سنها من الأختين وهذا من عجائب ما يسمع في هذا الباب ولا نحب أن نختم بحث هذا الفن قبل أن نورد بعض الشواهد فمن شواهده قول ديك الجن واسمه عبد السلام بن رغبان:

مرّت فقلت لها: تحية مغرم ... ماذا عليك من السلام؟ فسلمي

قالت: بمن تعني؟ فطرفك شاهد ... بنحول جسم قلت: بالمتكلّم

فتضاحكت، فبكيت قالت: لا ترع ... فلربّ مثل هواك بالمتبسّم

قلت: اتفقنا في الهوى فزيارة ... أو موعدا قبل الزيارة قدّمي

فتبسمت خجلا وقالت: يا فتى ... لو لم أدعك تنام بي لم تحلم

وللبحتري واسمه الوليد:

ونديم حلو الشمائل كالد ... ينار محض النّجار عذب المصفّى

بتّ أسقيه صفوة الرّاح حتى ... وضع الكأس مائلا يتكفّا

قلت: عبد العزيز تفديك نفسي ... قال: لبيك قلت: لبيك ألفا

هاكها قال: هاتها قلت: خذها ... قال: لا أستطيعها ثمّ أغفى

وحسبنا ما تقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت