فهرس الكتاب

الصفحة 1327 من 1401

[سورة الأنعام (6) : الآيات 127 إلى 128]

(لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ(127) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128)

(البلاغة)

تحدثنا في باب الإعراب عن الاستثناء المذهل حسب ما يرشد إليه سياق الكلام والنصوص النحوية، ولكن رائد البلاغة المثلى لا يقتنع بمثل هذه السهولة، ومن أجل ذلك عني العلماء البلاغيون بهذه الآية وبأختها من سورة هود، كما سيأتي، وكثرت الخلافات والمناقشات حولها، وسنجتزئ بأهمّ ما توصلنا إليه.

رأي الزمخشري:

1 -وللزمخشري رأي طريف بعيد عن التأويلات المتعسفة، وأدنى إلى الدقة قال: «أو يكون من قول الموتور الذي ظفر بواتره، ولم يزل يحرق عليه أنيابه، وقد طلب إليه أن ينفّس عن خناقه:

أهلكني الله إن نفست عليك إلا إذا شئت، وقد علم أنه لا يشاء إلا التشفي منه بأقصى ما يقدر عليه من التعنيف والتشديد، فيكون قوله:

إلا إذا شئت، من أشد الوعيد مع تهكم بالموعد، لخروجه في صورة الاستثناء الذي فيه أطماع». وهذا الذي ذكره الزمخشري أولى من الروايات والتأويلات المتعسفة، مثل قولهم: «فقد روي أنهم يدخلون واديا فيه من الزمهرير ما يميّز بعض أوصالهم من بعض فيتعاوون ويطلبون الرد إلى الجحيم» .

رأي الزّجّاج:

وقد عثرنا على رأي طريف للزجاج، ينقع الغليل. ولكنه مبتسر يحتاج إلى الإبانة والكشف، فقد قال الزجاج: «والمراد والله أعلم إلا ما شاء من زيادة العذاب» . بيد أنه - أي: الزجاج - لم يبيّن وجه استقامة الاستثناء، والمستثنى على هذا التأويل لم يغاير المستثنى منه في الحكم، والظاهر أن العذاب على درجات متباينة، ومراتب متفاوتة، ومقادير غير متناسبة، وكأن المراد أنهم مخلدون في حبس العذاب، إلا ما شاء ربك من زيادة تبلغ الغاية، وتربو على النهاية، حتى تكاد لبلوغها أقصى الغايات تعدّ خارجة عن العذاب، وكأنها ليست منه، ولا داخلة في حيّزه. والمعروف عن العرب في سنن كلامهم أنهم يعبرون عن الشيء إذا بلغ الغاية بالضّدّ، فكأنّ هؤلاء المعذبين وقد طمّ عليهم البلاء، وبلغوا من الشدة غايتها، ومن اللأواء نهايتها، وقد وصلوا إلى المدى الذي يكاد يخرجه من العذاب المطلق، فساغت معاملته في التعبير بمعاملة المغاير، وهذه وثبة من الزجاج، لا نتبين فحواها إلا بهذا البسط الذي يحتاج فهمه إلى رهافة ذوق، وشفوف طبع، والله الموفّق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت