فهرس الكتاب

الصفحة 1176 من 1401

[سورة الأنعام (6) : الآيات 9 إلى 11]

(وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ(9) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)

(اللغة)

(يَلْبِسُونَ) : يقال لبس عليه الأمر يلبسه، بضم الباء في المضارع، لبسا: جعله يلتبس في أمره، وشبهته وجعله مشكلا عليه، وأصله الستر بالثوب.

(البلاغة)

1 -المجاز المرسل في قوله: «عاقبة المكذبين» ، والعلاقة هي المصير والمآل الذي ينتهي إليه مصير المكذبين ومآلهم.

2 -في قوله: «ولقد استهزئ» إلى قوله: «ما كانوا به يستهزئون» فن يسمى رد الاعجاز على الصدور، وهو عبارة عن كل كلام بين صدره وعجزه رابطة لفظية غالبا، أو معنوية نادرا، ما تحصل بها الملاءمة والتلاحم بين قسمي كل كلام، وهو ثلاثة أقسام:

1 -ما وافق آخر كلمة في الكلام آخر كلمة في صدره أو كانت مجانسة لها، كقوله تعالى في سورة «النساء» : «أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا» .

2 -ما وافق آخر كلمة من الكلام أول كلمة منه، كقوله تعالى في سورة «آل عمران» : «وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهّاب» .

3 -ما وافق آخر كلمة من الكلام بعض كلمات صدره، حيث كانت كالآية التي نحن بصددها. وهذه الروابط كلها لفظية، وقد

تكون معنوية كقوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم» .

نماذج شعرية:

ومن أمثلة هذا الفن في الشعر قول البحتري:

ضرائب أبدعتها في السماح ... فلسنا نرى لك فيها ضريبا

وقول أبي تمام:

ولم يحفظ مضاع المجد شيء ... من الأشياء كالمال المضاع

وأبيات الحماسة المشهورة الرائعة:

تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار

شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهنّ ولا سرار

وتظرّف الثعالبي فجمع بين هذا الفن وفن التجنيس، فقال - ويكاد يكون طريفا لولا مسحة التكلف:

وإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فانف البلابل باحتساء بلابل

فالبلابل الأولى جمع بلبل، وهو طائر غرد معروف، والثانية:

جمع بلبال، وهو الحزن، والثالثة: جمع بلبلة، بالضم، وهي إبريق الخمر. وتظرّف آخر فجمع بين هذا الفنّ وفنّ التجنيس وفن التورية فقال:

لا كان إنسان تيمّم قاصدا ... صيد المها فاصطاده إنسانها

فالإنسان الأول هو الشخص المعروف، والإنسان الثاني بؤبؤ العين. وفيما يلي طائفة من أمثلة هذا الفنّ موزّعة على أقسامه الثلاثة المتقدمة. قال أبو العلاء:

لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر

والخصر بفتحتين: البرودة.

وقال أبو تمام:

ومن يك بالبيض الكواعب مغرما ... فما زلت بالبيض القواضب مغريا

وما أجمل قول بعضهم:

فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذباب يضير؟

وقال أبو تمام راثيا:

ثوى بالثّرى من كان يحيا به الثّرى ... ويغمر حرف الدهر نائله الغمر

وقد كانت البيض القواضب قبله ... بواتر فهي الآن من بعده بتر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت