فهرس الكتاب

الصفحة 983 من 1401

[سورة المائدة(5): آية 6]

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(6)

(البلاغة)

الكناية في قوله تعالى: «أو جاء أحد منكم من الغائط» فالمجيء من الغائط - وهو المطمئن أو المنخفض من الأرض - كناية عن الحدث، جريا على عادة العرب، وهي أن الإنسان منهم إذا أراد قضاء حاجة قصد مكانا منخفضا من الأرض وقضى حاجته فيه.

(الفوائد)

اشتملت آية الوضوء على فوائد هامة لا يجوز إغفالها، ونشير إليها فيما يلي:

1 -استغنى ببناء القلة في قوله: «وأرجلكم» عن بناء الكثرة لأنها لم يستعمل لها بناء كثرة، وقد يستغني ببعض أبنية القلة عن بناء الكثرة وضعا واستعمالا اتكالا على القرينة. وقد وضع الشاطبيّ قاعدة جميلة نلخصها فيما يلي: «وحقيقة الوضع أن تكون العرب لم تضع أحد البناءين استغناء عنه بالآخر، والاستعمال أن تكون وضعتهما معا، ولكنها استغنت في بعض المواضع عن أحدهما بالآخر، فالأول:

كأرجل جمع رجل، وأعناق جمع عنق، وأفئدة جمع فؤاد، قال تعالى:

«وأرجلكم إلى الكعبين» ، «فاضربوا فوق الأعناق» ، «وأفئدتهم هواء» ، فاستغنى فيها ببناء القلة عن بناء الكثرة، لأنها لم يوضع لها بناء كثرة. والثاني: كأقلام.

2 -لا شك في أن من أمر غيره بأن يمسح رأسه كان ممتثلا فعل ما يصدق عليه مسح، وليس في اللغة ما يقتضي أنه لا بد في مثل هذا الفعل من مسح جميع الرأس، وهكذا سائر الأفعال المتعدية، نحو: اضرب زيدا أو أطعنه، أو ارجمه. فإنه يوجد المعنى بوقوع الضرب أو الطعن أو الرجم على عضو من أعضائه، ولا يقول قائل من أهل اللغة أو من هو عالم بها: إنه لا يكون ضاربا إلا بإيقاع الضرب على كل جزء من أجزاء زيد، وكذلك الطعن والرجم وسائر الأفعال.

3 -قال تعالى: «إذا قمتم إلى الصلاة» ، وفي الجنابة «وإن كنتم مرضى» لأن «إذا» تدخل على كائن أو منتظر لا محالة، «وإن» تدخل على أمر ربما كان وربما لا يكون. والقيام إلى الصلاة ملازم والجنابة ليست بملازمة، فإنها قد توجد وقد لا توجد. ولهذا درج المفسرون على تفسير «إذا قمتم» أي: إذا أردتم القيام، من إقامة المسبب مقام السبب، والقيام متسبب عن الإرادة، والارادة سببه.

4 -من طريف الأبحاث اختلاف العلماء في دخول المرفق في الغسل، فقال قوم: إن المرفق داخل في مسمى اليد، لأن اليد من رأس الأنامل إلى الإبط. وهذا ينتقض بقولك: نمت البارحة إلى نصفها، ولا يجوز أن يقال: إنه نام البارحة كلها. وقال الجمهور بغسل المرفقين مع اليدين، وقال مالك وزفر لا يجب غسل المرفقين. وهذا الخلاف أيضا في الكعبين، حجة زفر أن «إلى» لانتهاء الغاية، والمنتهى غير النهاية، فلا يتعين غسل النهاية. والجواب من وجهين:

أ - الأول مذهب الزجاج: قال: سلمنا أن المرفق لا يجب غسله، لكن المرفق اسم لما جاوز طرف العظم، فإنه هو المكان الذي يرتفق به، أي يتكأ عليه. ولا نزاع في أن ما وراء أطراف العظم لا يجب غسله.

ب - الثاني: أن حد الشيء قد يكون منفصلا عن المحدود، كقوله تعالى: «ثم أتموا الصيام إلى الليل» فإن النهار منفصل عن الليل في الحسّ، وقد لا يكون منفصلا، كقولك: بعتك هذا الثوب من هنا إلى هنا. فهذا الحد غير منفصل، ولا شك في أن امتياز المرفق عن الساعد ليس منفصلا معينا، وإذا كان كذلك فليس إيجاب الغسل إلى حيز أولى من إيجابه إلى حيز آخر، فوجب القول بغسل كل المرفق.

وقال بعضهم: النهاية غير المتناهي، وغسل المرافق لم يفهم من الآية الكريمة، وإنما فهم من فعله صلى الله عليه وسلم. فعلى هذا لو قلت:

بعتك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة، لم تدخل الغاية هاهنا.

وإذا قلت: بعتك من هذا الحائط إلى هذا الحائط، دخل الحائطان في المبيع. والفرق بينهما أن الغاية في الأولى من جنس ما دخلت فيه فهي خارجة عنه، وكذلك المرفق من جنس اليد فهو خارج عن الغسل.

وفي الثانية أن الغاية خارجة، لأن الحائط ليس من جنس البستان، فلهذا دخل الحائطان في المبيع. ألا ترى أن قوله تعالى: «ثم أتموا الصيام إلى الليل» لما كان الليل من غير جنس النهار اعتبر دخول أول الليل؟ قال صلى الله عليه وسلم: «إذا أدبر النهار من هاهنا، وأقبل الليل من هاهنا، فقد أفطر الصائم» فاعتبر دخول الليل لأنه خارج عن النهار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت