(قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(151)
(اللغة)
(تعال) من الخاصّ الذي صار عاما، وأصله أن يقوله من كان في مكان عال لمن هو أسفل منه، ثم كثر واتسع حتى عم. وهو فعل أمر مفتوح الآخر دائما، ومن ثم لحنوا أبا فراس الحمداني بقوله:
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا ... تعالي أقاسمك الهموم تعالي
(البلاغة)
اشتملت هذه الآية على أفانين عجيبة من البلاغة، تستلزم التطويل، ولكنه التطويل غير المملول، فحديث الجمال يطول، وكلما طال ازداد حسنا، كالجمال نفسه كلما أمعنت النظر فيه ازدادت معالم حسنه:
يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا
1 -التوهيم:
فالفن الأول في هذه الآية هو فن التوهيم وقد سبقت الإشارة إليه في سورة «آل عمران» ، ونجدد العهد به هنا فنقول: هو أن يأتي المتكلم بكلمة يوهم ما بعدها من الكلام أن المتكلم أراد تصحيفها، وهو يريد غير ذلك، وذلك في قوله: «أن لا تشركوا به شيئا» .
فإن ظاهر الكلام يدل على تحريم نفي الشرك، وملزومه تحليل الشرك، وهذا محال، وخلاف المعنى المراد، والتأويل الذي يحلّ الإشكال هو أن في الوصايا المذكورة في سياق الآية وما بعدها ما حرّم عليهم وما هم مأمورون به فإن الشرك بالله، وقتل النفس المحرمة، وأكل مال اليتيم، مما حرّم ظاهرا وباطنا، ووفاء الكيل والميزان بالقسط والعدل في القول، فضلا عن الفعل والوفاء بالعهد واتباع الصراط المستقيم من الأفعال المأمور بها أمر وجوب، ولو جاء الكلام بغير «لا» لانبتر واختل وفسد معناه، فإنه يصير المعنى حرّم عليكم الشرك، والإحسان للوالدين، وهذا ضد المعنى المراد. ولهذا جاءت الزيادة التي أوهم ظاهرها فساد المعنى ليلجأ إلى التأويل الذي يصح به عطف بقية الوصايا على ما تقدم.
2 -التّغاير:
والفنّ الثاني فيها هو التغاير، وذلك في قوله: «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق» . وحدّه تغاير المذهبين، إما في المعنى الواحد بحيث يمدح إنسان شيئا أو يذمه، أو يذم ما مدحه غيره، وبالعكس، ويفضل شيئا على شيء، ثم يعود فيجعل المفضول فاضلا. ومن التغاير
تغاير المعنى لمغايرة اللفظ، مثل قوله: «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم» فإن ذلك غير قوله في هذا المعنى عينه في بني إسرائيل: «ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم» فقدّم في آية «الأنعام» للفقراء بدليل قوله تعالى: «من إملاق» ، فاقتضت البلاغة تقديم وعدهم - أعني الآباء المملقين - بما يغنيهم من الرزق، واقتضت البلاغة تكميل المعنى بعدة الأبناء بعد عدة الآباء ليكمل سكون الأنفس. وفي بني إسرائيل الخطاب للأغنياء، بدليل قوله تعالى: «خشية إملاق» ، فإنه لا يخشى الفقر إلا الغني، أما الفقير ففقره حاصل. فاقتضت البلاغة تقديم وعد الأبناء بالرزق ليشير هذا التقديم إلى أنه سبحانه هو الذي يرزق الأبناء ليزول ما توهم الأغنياء من أنهم بإنفاقهم على الأبناء يصيرون إلى الفقر بعد الغنى، ثم كمل هذا الطمأنينة بعدتهم بالرزق بعد عدة أبنائهم. فسبحان قائل هذا الكلام!
التّغاير في الشّعر العربيّ:
هذا وقد افتنّ الشعراء في هذا المعنى وتلاعبوا به وسلكوا به كل واد، وسنورد لك فيما يلي طائفة مختارة مما تمّ به التغاير، ومدح الشعراء ما هو مشتهر بالذّم، وذمّوا ما من حقه المدح. وأول من أشار إلى ذلك عنترة بن شداد الشاعر العبسي والفارس المشهور عند ما اشتهى تقبيل السيوف لأنها التمعت كبارق ثغر من يهواها، فقال بيتيه المشهورين:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... منّي وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها ... لمعت كبارق ثغرك المتبسّم
وما أجمل قول أبي فراس الحمدانيّ وقد سلك مسلكا آخر فقال:
مسيء محسن طورا وطورا ... فما أدري عدّوي أم حبيبي
يقلّب مقلة ويدير طرفا ... به عرف البريء من المريب
وبعض الظالمين وإن تناهى ... شهيّ الظلم مغتفر الذنوب
وولع البحتريّ بهذا الفن فقال:
عيّرتني بالشيب من بدآته ... في عذاري بالهجر والاجتناب
لا تريه عارا فما هو بالشيب ولكنه جلاء الشباب
وبياض البازيّ أصدق حسنا ... إن تأمّلت من سواد الغراب
وقال في المعنى نفسه وأجاد:
عذلتنا في عشقها أمّ عمرو ... هل سمعتم بالعاذل المعشوق؟
ورأت لمّة ألمّ بها الشّيب فريعت من ظلمة في شروق
ولعمري لولا الأقاحي لأبصر ... ت أنيق الرياض غير أنيق
ومزاج الصهباء بالماء أولى ... بصبوح مستحسن وغبوق
وسواد العيون لو لم يكمّل ... ببياض ما كان بالموموق
أيّ ليل يبهى بغير نجوم؟ ... وسماء تندى بغير بروق؟
ووصف البحتري يوم الفراق بالقصر وقد أجمع الناس على طوله حيث قال:
ولقد تأمّلت الفراق فلم أجد ... يوم الفراق على امرئ بطويل
قصرت مسافته على متزوّر ... منه لدهر هن صبابة وغليل
أما ابن الرومي فقد سما على المتقدمين والمتأخرين في ذمّ ما تواضع الناس على مدحه، فقال يهجو البدر:
لو أراد الأديب أن يهجو البد ... ر رماه بالخطة الشنعاء
قال: يا بدر أنت تغدر بالسا ... ري وتغري بزائر الحسناء
يعتريك المحاق في كل شهر ... فترى كالقلامة الحجناء
نمش في بياض وجهك يحكي ... كلفا فوق وجنة برصاء
لا لأجل المديح بل خيفة الهجر أخذنا جوائز الخلفاء وقال الشريف الرضي يهجو الشمس:
في خلقة الشمس وأخلاقها ... شتى عيوب ستة تذكر
رمداء عمشاء إذا أصبحت ... عمياء عند الليل لا تبصر
ويغتدي البدر لها كاسفا ... وجرمه من جرمها أصغر
حرورها في القيظ لا يتّقى ... ودفؤها في القر مستحقر
وخلقها خلق الملول الذي ... ينكث للعهد ولا يبصر
ليست بحسناء وما حسن من ... يحسر منه الطرف إذ ينظر
ولو أردنا الاستفاضة لملأنا الكتاب كله من هذا الشعر المستطاب الفريد، ولكن حسبنا من القلادة ما أحاط بالجيد.
3 -المجاز المرسل:
في قوله تعالى: «من إملاق» فهو جار مجرى الكناية، لأنه إذا خرج ماله من يده ركبه الفقر فاستعمل لفظ السبب في موضع المسبب، قال في أساس البلاغة «ومن المجاز أملق الدهر ماله: أذهبه وأخرجه من يده، وأملق الرجل: أنفق ماله حتى افتقر، ورجل مملق. وقال أعرابي: قاتل الله النساء كيف يمتلقن العلل لكأنها تخرج من تحت أقدامهن، أي: يستخرجنها» .
(الفوائد)
لابن هشام كلام مطوّل في هذه الآية قال: «وقوله تعالى:
«قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا» فقيل:
إن لا نافية، وقيل: ناهية، وقيل: زائدة، والجميع محتمل.
وحاصل القول في الآية أن «ما» خبرية بمعنى الذي، منصوبة ب «أتل» وحرم ربكم: صلة، وعليكم متعلقة بحرم. هذا هو الظاهر. وأجاز الزجاج كون «ما» استفهامية منصوبة بحرم، والجملة محكية ب «أتل» لأنه بمعنى أقول، ويجوز أن يعلق «عليكم» ب «أتل» ، ومن رجح إعمال أول المتنازعين - وهم الكوفيون - رجحه على تعلقه بحرّم. وفي أن وما بعدها أوجه: أن يكونا في موضع نصب بدلا من «ما» ، وذلك على أنهما موصولة لا استفهامية، إذ لم يقترن البدل بهمزة الاستفهام. الثاني أن يكونا في موضع رفع خبر ل «هو» محذوفا، أجازهما بعض المعريين. وعليهما ف «لا» زائدة، قال ابن الشجري: والصواب أنها نافية على الأول، وزائدة على الثاني.
والثالث أن يكون الأصل: بيّن لكم ذلك لئلا تشركوا، وذلك لأنهم إذا حرم عليهم رؤساؤهم ما أحله الله سبحانه تعالى فأطاعوهم أشركوا، لأنهم جعلوا غير الله بمنزلته. والرابع أن الأصل: أوصيكم بأن لا تشركوا، بدليل أن وبالوالدين إحسانا، معناه وأوصيكم بالوالدين، وإن في آخر الآية «ذلكم وصّاكم به» ، وعلى هذين الوجهين فحذفت الجملة وحرف الجر. والخامس أن التقدير: «أتل عليكم أن لا تشركوا» ، مدلولا عليه بما تقدم. وأجاز هذه الأوجه الثلاثة الزجاج. والسادس أن الكلام تم عند «حرم ربكم» ثم ابتدئ «عليكم أن لا تشركوا وأن تحسنوا بالوالدين إحسانا وأن لا تقتلوا ولا تقربوا» ، فعليكم على هذا اسم فعل بمعنى الزموا، و «أن» في الأوجه الستة مصدرية، و «لا» في الأوجه الأربعة الأخيرة نافية. والسابع أنّ «أن» مفسرة بمعنى أي، ولا ناهية، والفعل مجزوم لا منصوب، وكأنه قيل: أقول لكم لا تشركوا به شيئا وأحسنوا بالوالدين إحسانا. وهذان الوجهان أجازهما ابن الشجري». وقال ابن هشام في موضع آخر من المغني:
«وأما قول بعضهم في: «قل تعالوا أتل ما حرم عليكم ربكم أن لا تشركوا به شيئا» إن الوقف قبل «عليكم» ، وإن «عليكم» إغراء، فحسن، ويتخلص من إشكال ظاهر في الآية محوج للتأويل».
وإنما أطلنا في الاقتباس لأن الآية كثر فيها الخوض، فتدبر والله يعصمك.