ومع ذلك فكثير من الشُّراح والفقهاء خصَّه بنوعٍ معينٍ؛ فمنهم من خصَّه بالجلد، ومنهم من خصَّه بالصُّوف، ومنهم من خصَّه بالقطن [1] .
والذي يتَّضح من اختلافهم في وصفه أنَّ كل واحدٍ منهم خصَّه بما رآه في بلاده، فالجورب في الحجاز قد يختلف عن الشام وعن مصر وهكذا؛ فلا يصح تقييده بصفةٍ معينةٍ وعدم اعتبار ما عداها؛ لأنَّ الأحاديث جاءت مطلقة ولم تصف الجورب بوصفٍ معينٍ، فتُحمل على كل ما يسمَّى بالجورب عند أهل كل بلد.
يظهر من كلام ابن حبَّان أنَّه يرى جواز المسح على الجوربين إذا كان فوقهما نعلَيْن، أو كانا منعَّلين، ولا يجوز المسح عليهما إذا كانا مفردَيْن.
فقد بوَّب في صحيحه:"ذِكْرُ الْإِبَاحَةِ لِلْمَرْءِ الْمَسْحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إِذَا كَانَا مَعَ النَّعْلَيْنِ" [2] .
واستدل بحديث الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَالنَّعْلَيْنِ" [3] .
(1) انظر عارضة الأحوذي: (1/ 149) ، عون المعبود: (1/ 103) ، تحفة الأحوذي: (1/ 333) .
(2) صحيح ابن حبَّان: (4/ 167) .
(3) أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الطهارة، باب: المسح على الجوربين، حديث رقم: (159) ، والترمذي في السنن، أبواب الطهارة، باب: في المسح على الجوربين والنعلين، حديث رقم: (99) ، والنسائي في الصغرى-في بعض الروايات-، كتاب الطهارة، باب: المسح على الجوربين والنعلين، حديث رقم: (125 م) ، وابن ماجة في السنن، أبواب الطهارة وسننها، باب: ما جاء في المسح على الجوربين والنعلين، حديث رقم: (559) ، وأحمد في مسنده، مسند المغيرة بن شعبة، حديث رقم: (18206) ، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب الطهارة، باب: الرخصة في المسح على الجوربين والنعلين، حديث رقم: (198) ، وابن حبان في صحيحه، كتاب الطهارة، باب: المسح على الخفين وغيرهما، حديث رقم: (1338) ، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب: ما ورد في الجوربين والنعلين، حديث رقم: (1349) .
كلهم من طريق الثوري، عن أبي قيس الأودي، عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة.
قال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح".
-وقد روي تضعيفه عن بعض العلماء:
فقال أبو داود:"كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث لأن المعروف عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين".
وقال النسائي:"مَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا تَابَعَ أَبَا قَيْسٍ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَالصَّحِيحُ عَنِ الْمُغِيرَةِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ".
وأسند البيهقي عن مسلم تضعيفه لهذا الحديث وقال:"أبو قيس الأودي وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان هذا مع مخالفتهما الأجلة الذين رووا الخبر عن المغيرة فقالوا مسح على الخفين".
وعن الثوري أنه قال:"الحديث ضعيف أو واه".
وعن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال:"هو منكر".
وعن علي بن المديني أنه قال:"حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي الْمَسْحِ رَوَاهُ عَنِ الْمُغِيرَةِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ، وَرَوَاهُ هُزَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ عَنِ الْمُغِيرَةِ إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَخَالَفَ النَّاسَ".
وعن يحيى بن معين أنه قال:"الناس كلهم يروونه على الخفين غير أبي قيس".
ويظهر من كلام هؤلاء الأئمة أن علته عندهم هو تفرد أبي قيس الأودي، ومخالفته للثقات الذين رووه بلفظ:"على الخفين"بدل الجوربين.
هذا مع أن أبا قيس الأودي-واسمه عبد الرحمن بن ثروان-وثقه بعض أئمة الجرح والتعديل فقال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: ثقة ثبت، ووثقه ابن حبَّان.
وأما من نزل به عن مرتبة التوثيق فلم يضعفه، وإنما لينه قليلا، فقال فيه أحمد:"يخالف في أحاديثه"، وقال أبو حاتم:"ليس بالقوي، هو قليل الحديث وليس بحافظ، قيل له: فكيف حديثه؟ فقال: صالح هو لين الحديث"، وقال النسائي:"ليس به بأس".
ولذلك حكم فيه ابن حجر بقوله: صدوق ربما خالف. التقريب: (337/ 3823) .
وانظر ترجمته في: الجرح والتعديل: (5/ 218) ، الثقات للعجلي: (2/ 74) ، الثقات لابن حبَّان: (7/ 65) ، تهذيب الكمال: (17/ 20) .
-والحديث له شاهد من حديث ثوبان عند أبي داود، رقم: (146) :"أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين".
قال الخطابي:"التساخين: الخفاف ... ، ويقال إن أصل ذلك كل ما يسخن به القدم من خف وجورب ونحوه". معالم السنن: (1/ 78) .
-وله شاهد من حديث أبي موسى عند ابن ماجة: حديث رقم: (560) . وضعفه أبو داود بقوله:"وروي هذا أيضا عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الجوربين وليس بالمتصل ولا بالقوي". يقصد أن فيه عيسى بن سنان، قال ابن حجر في التقريب: لين الحديث. التقريب: (438/ 5295) .
فالخلاصة: أن حديث المغيرة وحده ضعيف كما قال الأئمة، ولكن مع ثبوت شواهد له كما بينا-على ضعفها-فقد يُثبت ذلك أن رواية الجوربين لها أصل، وأنها ليست خطأ من الراوي، وأنهما حديثان مختلفان، لا كما قال البعض أنه حديث واحد في الخفين أخطأ فيه راويه.
ويؤيده فعل الصحابة رضي الله عنهم ومسحهم على الجوربين.
على أنه يبعد أن يفوت كل هؤلاء الأئمة الذين ضعفوه أن للحديث شواهد أخرى، قد تثبت أن لرواية الجوربين أصلا!
قال شاكر:"وليس الأمر كما قال هؤلاء الأئمة، والصواب صنيع الترمذي في تصحيح هذا الحديث، وهو حديث آخر غير حديث المسح على الخفين، وقد روى الناس عن المغيرة أحاديث المسح في الوضوء، فمنهم من روى المسح على الخفين، ومنهم من روى المسح على العمامة، ومنهم من روى المسح على الجوربين، وليس شيء منها بمخالف للآخر، إذ هي أحاديث متعددة وروايات عن حوادث مختلفة، والمغيرة صحب النبي صلى الله عليه وسلم خمس سنين؛ فمن المعقول أن يشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم وقائع متعددة في وضوئه ويحكيها، فيسمع بعض الرواة منه شيئا، ويسمع غيره شيئا آخر، وهذا واضح بديهي". سنن الترمذي بتحقيق شاكر: (1/ 168) .
كما صححه ابن خزيمة، وابن حبَّان، والألباني. صحيح سنن أبي داود: (1/ 274) .