فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 238

جَائِزٌ أَنْ يُؤَدَّى بِهِ فَرَضُ الْعُضْوِ الثَّاني مَرَّةً أُخْرَى، وَلَمَّا صَحَّ ذَلِكَ فِي التيمُّمِ صَحَّ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ سَوَاءً" [1] ."

المطلب الثَّاني: مذاهب العلماء.

1 -المذهب الأوَّل: تكره الطهارة به إذا كان يسيرًا ووجد غيره، فإن لم يجد غيره فلا كراهة، ولا يتيمم مع وجوده. وهو مذهب المالكيَّة [2] . وروي عن الشَّافعي [3] أنَّه طهور، وهو ورواية عن أحمد [4] .

الأدلة:

1 -نصوصٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح بعض أعضاء الوضوء بماء مستعمل.

-فعَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ [5] رضي الله عنها،"أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مِنْ فَضْلِ مَاءٍ كَانَ فِي يَدِهِ" [6] .

(1) صحيح ابن حبَّان: (4/ 81) .

(2) الذخيرة: (1/ 174) ، الشرح الكبير: (1/ 41) ، الشرح الصغير: (1/ 37) .

(3) المجموع: (1/ 202) .

(4) المغني: (1/ 31) .

(5) الصحابية المعروفة، الأنصارية، النجارية، من بني عدي بن النجار، كانت من المبايعات بيعة الشجرة، ربما غزت مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم. ينظر الإصابة: (13/ 375) .

(6) أخرجه أبو داود في السنن-واللفظ له-، كتاب الطهارة، باب: صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، حديث رقم: (130) ، وأحمد في مسنده، حديث رقم: (27016) ، والدراقطني في السنن، كتاب الطهارة، باب: مسح الرأس ببلل اليدين، حديث رقم: (288) ، والبيهقي في معرفة السنن والآثار، كتاب الطهارة، باب: بَابُ مَا يُفْسِدُ الْمَاءَ وَغَيْرَهُ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ، حديث رقم: (1689) .

والأحاديث الصحيحة المشهورة في الصحيحين وغيرهما جاءت بلفظ:"ماء غير فضل يده".

أما هذه الرواية فتفرد بها عبد الله بن محمد بن عقيل، قال فيه يعقوب بن شيبة:"وابن عقيل صدوق، وفي حديثه ضعف شديد جدا".

وسئل يحيى عن ابن عقيل، فقال:"ليس حديثه بالحجة"، وقال:"ضعيف الحديث".

وقال أحمد:"ابن عقيل منكر الحديث".

وعن أبي حاتم قال:"لين الحديث، ليس بالقوي، ولا ممن يحتج بحديثه، يكتب حديثه".

وقال ابن خزيمة:"لا أحتج به لسوء حفظه".

وقال ابن حبَّان:"وَكَانَ عبد الله من سَادَات الْمُسلمين من فُقَهَاء أهل الْبَيْت وقرائهم، إِلَّا أَنه كَانَ رَدِيء الْحِفْظ، كَانَ يحدث عَن التَّوَهُّم، فَيَجِيء بالْخبر على غير سنَنه، فَلَمَّا كثر ذَلِك فِي أخباره وَجب مجانبتها والاحتجاج بضدها".

وقال ابن حجر:"صدوق، في حديثه لين، ويقال تغير بأخرة".

وقال:"وَابْنُ عَقِيلٍ سَيِّئُ الْحِفْظِ يَصْلُحُ حَدِيثُهُ لِلْمُتَابَعَاتِ، فَأَمَّا إذَا انْفَرَدَ فَيَحْسُنُ، وَأَمَّا إذَا خَالَفَ فَلَا يُقْبَلُ، وَقَدْ خَالَفَ هُوَ رِوَايَةَ نَفْسِهِ". وحديثه عن رواية أخرى.

وقد جاءت روايات عن بعض الأئمة أنهم كانوا يحتجون بحديثه:

قَالَ الترمذي:"سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، وَالْحُمَيْدِيَّ يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثهِ. وَهُوَ مُقَارِبُ الْحَدِيثِ".

وقال الذهبي:"حديثه في مرتبة الحسن".

وينظر أقوالهم في: تاريخ ابن معين رواية الدوري: (2/ 243) ، والعلل الكبير: (1/ 22) ، و"الضعفاء الكبير": (2/ 299) ، والجرح والتعديل: (5/ 154) ، المجروحين: (2/ 3) ، وتهذيب الكمال: (16/ 78) ، تقريب التهذيب: (321) ، ترجمة رقم: (3594) ، والتلخيص الحبير: (2/ 222) ، وميزان الاعتدال: (2/ 485) .

فالظاهر من أقوالهم أنه صدوق في دينه، أما حفظه ففيه ضعف شديد يصل لدرجة نكارة أحاديثه، وعدم احتمال تفرده، وما تقدم عن بعض الأئمة أنهم احتجوا بحديثه، فيحمل على أنهم كانوا يكتبون حديثه ليس للاحتجاج به ولكن للاعتبار؛ وذلك لأن أكثر من روي عنه أنه احتج بحديثه روي عنه تضعيفه، وأما من حسن حديثه فيحمل على ما كان له متابع، فيكون حديث ابن عقيل حسن لغيره، لا لذاته.

على أن هذه الرواية قد رويت من طريقه بلفظ:"وَأَخَذَ مَاءً جَدِيدًا فَمَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ"، موافقا فيها الرواية المعروفة المشهورة، مخالفا فيها روايته الأخرى، التي جاء فيها:"من فضل ماء كان في يده".

رواها ابن ماجة في السنن، أبواب الطهارة وسننها، باب: الرجل يستعين على وُضوئه فيُصب عليه، حديث رقم: (390) ، والطيالسي في مسنده، حديث رقم: (1729) ، والبيهقي في الكبرى، كتاب الطهارة، جماع أبواب ما يفسد الماء، باب: الدليل على أنه يأخذ لكل عضو ماء جديدا ولا يتطهر بالماء المستعمل، حديث رقم: (1125) .

وقال البيهقي في معرفة السنن والآثار: (2/ 48) :"عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ مُخْتَلَفٌ فِي عَدَالَتِهِ ... فَإِذَا رَوَى شَيْئًا فِي حُكْمٍ، وَرَوَى أَهْلُ الثِّقَةِ فِيهِ خِلَافَهُ، فَرِوَايَةُ غَيْرِهِ تُوقِعُ شَكًّا فِيمَا تَفَرَّدَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ وُضُوءٍ آخَرٍ."

هَذَا وَقَدْ رَوَى شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: (فَأَخَذَ مَاءً جَدِيدًا، فَمَسَحَ رَأْسَهُ مُقَدِّمَهُ وَمُؤَخِّرَهُ) .

فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ فَضْلِ مَاءٍ كَانَ فِي يَدَيْهِ) . أَيْ أَخَذَ مَاءً جَدِيدًا، وَصَبَّ بَعْضَهُ، وَمَسَحَ رَأْسَهُ مِنْ فَضْلِ مَاءٍ كَانَ فِي يَدِهِ، لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِسَائِرِ الرِّوَايَاتِ"."

هذا مع ما تقدم من أقوال الأئمة أنه لا يحتج به إذا انفرد، فكيف إذا روي الحديث من طريقه بروايتين تخالف إحداهما الأخرى مع انفراده!

فلا شك أن الحديث مضطرب، من هذا الطريق، ولم يبق إلا الطرق الصحيحة في الصحيحين وغيرهما التي جاءت بلفظ:"ماء غير فضل يده".

ومع ذلك فقد حسن الألباني الحديث. صحيح سنن أبي داود: (1/ 216) ، حديث رقم: (121) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت