فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 238

أميل إلى ما ذهب إليه ابن حبَّان؛ وذلك لما تقدم من الأدلَّة، ولأنَّه لا فرق بين استعمال الماء في الطَّهارة الشرعيَّة واستعماله في غير ذلك، ولو كان ثمَّة فرق لبيَّنه الشارع، فمادام باقٍ على أصل خلقته فهو طهورٌ يجوز استعماله في رفع الحدث.

المبحث الثَّاني: الحد الفاصل بين قليل الماء وكثيره.

تمهيد: اختلف العلماء في الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيِّر أحد أوصافه، هل يصير نجسا أم لا؟

واتفقوا على أنَّ الماء وإن كان كثيرًا فوقعت فيه نجاسة غيَّرت أحد أوصافه فإنَّه يصير نجسًا.

قال ابن المنذر [1] :"أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ أَوِ الْكَثِيرَ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَغَيَّرَتِ النَّجَاسَةُ الْمَاءَ طَعْمًا، أَوْ لَوْنًا، أَوْ رِيحًا أَنَّهُ نَجَسٌ مَا دَامَ كَذَلِكَ، وَلَا يَجْزِي الْوُضُوءُ وَالِاغْتِسَالُ بِهِ" [2] .

المطلب الأوَّل: رأي ابن حبَّان.

يرى ابن حبَّان أنَّ الحدَّ الفاصل بين القليل والكثير هو القُلَّتان.

وأجاب على أصحاب المذاهب الأخرى، فردَّ على الحنفيِّة بقوله:"ذِكْرُ خَبَرٍ يَدْحَضُ، قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَاءَ الْمُغْتَسَلَ بِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ إِذَا كَانَ رَاكِدًا يَنْجُسُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا، لَا يَكُونُ عَشْرًا فِي عَشَرٍ [3] ".

(1) الإِمَامُ، الحَافِظُ، العَلاَّمَةُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ: مُحَمَّدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ بنِ المُنْذِرِ، أَبُو بَكْرٍ، النَّيْسَابُوْرِيُّ، وُلِد سنة إحدى وأربعين ومائتين، صَنَّفَ فِي اخْتِلاَفِ العُلَمَاءِ كُتُبًا لَمْ يُصَنِّفْ أَحَدٌ مِثلَهَا، منها:"الأوسط"، وَاحْتَاجَ إِلَى كُتُبِهِ المُوَافِقُ وَالمُخَالِفُ، تُوُفِّي بِمَكَّةَ، سنَةَ ثمان عشرة وَثَلاَثِ مائَةٍ. ينظر: تذكرة الحفاظ: (3/ 782) ، وسير أعلام النبلاء: (14/ 490) .

(2) الأوسط: (1/ 260) .

(3) للحنفية أكثر من قول في مسألة الحد الفاصل بين قليل الماء وكثيره، منها أن يكون الماء من الكثرة بحيث إذا حُرِّك من أحد طرفيه لم تصل الحركة إلى الطرف الآخر، وهو المشهور، ومنها أن يكون الماء عشرة أذرع في عشرة. شرح فتح القدير: (1/ 79) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت