ومشى-رحمه الله-على ذلك في أكثر المسائل الفقهيَّة من صحيحه، وقد نقل عنه كثيرٌ من الشُّرَّاح آرائَه وتعليقاته تلك، واستفادوا منها؛ فرأيت أن أجمع في هذه الصفحات آرائَه الفقهيَّة المتناثرةَ في صحيحه، مع ترتيبها وتبويبها على الأبواب الفقهيَّة. وقد التزمتُ بجمع المسائل الفقهيَّة التي صرَّح بترجيحه لرأيٍ معينٍ فيها، دون ما سواها.
تولى المحدِّثون بعد الصَّحابة رضي الله عنهم مهمة تقديم السُّنة إلى الناس؛ فوقع على عاتقهم مهمَّة نقد الروايات وتمحيصها والتمييز بين غثِّها وسمينها، فأبلوا في ذلك أحسن البلاء، واستحدثوا فيه العلوم وأصلوها، حتى شاع في الأذهان أنهم لا يعرفون غير الحديث، وحصرهم الرأي العام في حدود الرواية وعلومها، واستبعد كثيرون أن يكون للمحدثين نشاط فقهي، بل شاع الفصل بين المحدث والفقيه: فعلى المحدث أن يجمع المادة، وعلى الفقيه أن يستعملها ويضعها موضعها، والواقع أن المحدثين لم يقتصر نشاطهم على علوم الحديث، بل كان لهم نشاط فقهي ملحوظ [1] .
ومن أجل المساهمة في بيان هذا النشاط الفقهي للمحدثين قمت في هذا البحث بجمع الآراء الفقهية لإمام من أئمة الحديث، والذي لم يكن اعتناؤه بجانب الرواية فقط، إنما اهتم في صحيحه ببيان فقه الحديث وما يستنبط منه.
(1) من الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في القرن الثالث الهجري: (3، 4) بتصرف.