وتبعهما في صنع كتب تقتصر على صحيح الحديث كثير من الحفَّاظ الأئمة الكبار؛ منهم: الحافظ الكبير محمَّد بن إسحاق بن خُزَيْمَة، صنَّف كتابه المشهور:"صحيح ابن خزيمة".
ثم تبعه تلميذه: أبو حاتم محمَّد بن حبَّان التميميُّ البُسْتِيُّ، صنَّف كتابه الذي سمَّاه:"المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع، من غير وجود قطعٍ في سندها، ولا ثبوت جرح في ناقليها"، الذي عُرف بين علماء الحديث باسم:"التقاسيم والأنواع"، واشتهر بينهم وعلى ألسنة الناس باسم:"صحيح ابن حبَّان".
وهما أهمُّ الكتب التي أُلِّفَت في الصَّحيح المجرَّد بعد الصَّحيحين [1] ، ومن أجل ذلك وجب الاهتمام بهما، والكشف عن كنوزهما، واستخراج دقائقهما، ومن ذلك جمع آرائهم الفقهيَّة؛ خاصة وهما الإمامانِ المشهود لهما بالحديث والفقه.
وقد لاحظتُ عند قراءتي لصحيح ابن حبَّان أنَّه يترجم لكل حديثٍ بترجمةٍ طويلةٍ، خاصةً في المسائل الخلافيَّة التي يُرجِّح فيها رأيًا معينًا. فتجده يذكر الترجمة التي تحمل رأيَه الفقهيَّ في المسألة، ثم يذكر الحديث الذي يستدل به على ما ذهب إليه. وبعد أن يذكر مذهبه، يترجم بترجمة أخرى، يَردُّ بها على المخالف له، ذاكرًا تحتها ما استدلَّ به من الأحاديث.
وفي كثيرٍ من الأحيان يجعل بعد الحديث تعليقًا، يوضح فيه مبهمًا، أو يفسِّر فيه معنىً، أو يبيِّن فيه وجهًا من وجوه الجمع بين الأحاديث المتعارضة ظاهرًا، أو يؤكِّد فيه ما ذهب إليه.
(1) ينظر مقدمة شاكر لتحقيق صحيح ابن حبَّان: (6 - 7) .