فبدأ طلب العلم على رأس الثلاثمائة، وقد جاوز العِشرين من عمره، ومع ذلك فقد رحل إلى بلادٍ كثيرة، فسمع بنيسابور وخراسان والعراق والشام والجزيرة والحجاز، وغيرها من البلاد، وسمع خلال ذلك من أكثر من ألفي شيخٍ كما يقول بنفسه [1] .
قال:"ولعلَّنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ من إسبيجاب [2] إلى الإسكندرية" [3] .
قال السَّمعاني [4] :"رَحل فِيمَا بَين الشاش [5] إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة" [6] .
يريد ابن حبَّان من قوله هذا أن يُبيِّن لنا أنَّه رحل إلى أقصى ما تمكن الرِّحلة إليه لطلب العلم في عصره؛ فالشاش في المشرق أقصى بلاد الإسلام آنذاك، وبعدها تبدأ بلاد التُّرك، وأمِّا الإسكندرية فآخر ما يمكن لمحدثٍ يطلب السُّنن
(1) ميزان الاعتدال: (4/ 80) ، ومقدمة تحقيق صحيح ابن حبان لشعيب الأرنؤووط: (1/ 10) .
(2) ويقال لها أسفيجاب، وإسفيجاب، وهي بلدة كبيرة في المشرق من بلاد ما وراء النهر، من ثغور الترك، في حدود تركستان، وهي اليوم ضمن جمهورية كازخستان. ينظر الأنساب: (1/ 241) ، معجم البلدان: (1/ 179) .
(3) مقدمة ابن حبَّان لصحيحه: (1/ 152) .
(4) الإِمَامُ، الحَافِظُ، الثِّقَةُ، مُحَدِّثُ خُرَاسَانَ: أَبُو سَعْدٍ، عَبْدُ الكَرِيْمِ بن مُحَمَّدِ بن مَنْصُوْرِ التَّمِيْمِيُّ، السَّمْعَانِيُّ، الخُرَاسَانِيُّ، وُلِدَ بِمَرْوَ، فِي شَعْبَانَ، سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِ مائَةٍ، وَحُبِّب إِلَيْهِ الحَدِيْث، وَلاَزَمَ الطَّلَبَ مِنَ الحدَاثَةِ، وَلاَ يُوْصَف كَثْرَةُ البِلاَدِ وَالمَشَايِخِ الَّذِيْنَ أَخَذَ عَنْهُم، كثير التصانيف، من مصنفاته:"الأنساب"، و"التحبير في المعجم الكبير"، وغيرها، توفي فِي مُسْتهل رَبِيْع الأوَّل، سَنَة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّيْنَ وَخَمْس مائَة، بِمَرْوَ، وَلَهُ سِتٌّ وَخَمْسُوْنَ سَنَةً. ينظر: تذكرة الحفاظ: (4/ 1316) ، سير أعلام النبلاء: (20/ 456) .
(5) مدينة وراء نهر سّيْحون، وهي أكبر ثغر في وجه الترك، ومن الشاش إلى إسفيجاب اثنان وعشرون فرسخا. وتسمى اليوم طشقند، وهي عاصمة دولة أوزباكستان. ينظر: الأنساب: (7/ 244) ، ومعجم البلدان: (3/ 308) .
(6) الأنساب: (2/ 209) .