قال النووي:"وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْمَائِعِ فَجَوَابُهُ مِنْ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ قِيَاسٌ يُخَالِفُ السُّنَّةَ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، الثَّاني: أَنَّهُ لَا يَشُقُّ حِفْظُ الْمَائِعِ وَإِنْ كَثُرَ بَلْ الْعَادَةُ حِفْظُهُ ... ، الثَّالث: أَنَّ لِلْمَاءِ قُوَّةً فِي دَفْعِ النَّجَسِ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَتَحَرَّكُ طَرَفُهُ الْآخَرُ بِخِلَافِ الْمَائِعِ، الرَّابع: لِلْمَاءِ قُوَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ فَكَذَا لَهُ دَفْعُ النَّجَسِ بِخِلَافِ الْمَائِعِ" [1] .
وردَّ العلماء حدَّ الحنفيَّة من وجوه، منها:
1 -حديث بئر بضاعة [2] ، فالماء فيها لم يبلغ الحد الذي ذكروه، ومع ذلك لم ينه النبي صلى الله عليه وسلم عنها.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ:"وسَمِعْت قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ [3] ، قَالَ: سَأَلْتُ قَيِّمَ بِئْرِ بُضَاعَةَ عَنْ عُمْقِهَا؟ قَالَ: أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِيهَا الْمَاءُ إِلَى الْعَانَةِ، قُلْتُ: فَإِذَا نَقَصَ، قَالَ: دُونَ الْعَوْرَةِ. وَقَدَّرْتُ أَنَا بِئْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ ذَرَعْتُهُ فَإِذَا عَرْضُهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ، وَسَأَلْتُ الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ الْبُسْتَانِ فَأَدْخَلَنِي إِلَيْهِ، هَلْ غُيِّرَ بِنَاؤُهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا، وَرَأَيْتُ فِيهَا مَاءً مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ" [4] .
قلت: فإذا كان العرض ستة أذرع، تحرَّك كلا طرفيه ولابد؛ فلم يصح تحديدهم.
(1) المجموع: (1/ 167) .
(2) تقدم تخريجه: (44) .
(3) شَيْخُ الإِسْلاَمِ، المُحَدِّثُ، الإِمَامُ، الثِّقَةُ: أَبُو رَجَاءَ، ولد فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَمائَةٍ، ارْتَحَلَ فِي طَلَبِ العِلْمِ، وَكَتَبَ مَا لاَ يُوْصَفُ كَثْرَةً، رَوَى عَنْهُ: البُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي كُتُبِهِم، فَأَكْثَرُوا، توفي في سنة أربعين ومائتين. ينظر: تذكرة الحفاظ: 2/ 446)، وسير أعلام النبلاء: (11/ 13) .
(4) سنن أبي داود: (1/ 51) .