-ولأنَّه علَّل الحكم في الحديث بكثرة الطواف؛ فيقاس عليه أيضًا ما دون الهرَّة مما يشقُّ الاحتراز منه، كالفأرة وغيرها.
قال ابن قدامة [1] :"وهذا قد دلَّ بلفظه على نفي الكراهة عن سؤر الهر، وبتعليله على نفي الكراهة عما دونها مما يطوف علينا" [2] .
2 -عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سُئِلَ عَنِ الْحِيَاضِ التي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، تَرِدُهَا السِّبَاعُ، وَالْكِلَابُ، وَالْحُمُرُ، وَعَنِ الطَّهَارَةِ مِنْهَا؟ فَقَالَ"لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا، وَلَنَا مَا غَبَرَ [3] طَهُورٌ" [4] .
وجه الاستدلال: الحديث يدلُّ على طهارة أسآر السِّباع جميعها؛ إذ لو كانت نجسة لنهى النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن سؤرها.
وأجيب بأنَّ هذا الحديث محمولٌ على الماء الكثير [5] .
قال النووي:"الحديث عام فلا يخص إلا بدليل" [6] .
قلت: هذا كله على فرض صحته، وإلا فهو ضعيفٌ لا يحتج به.
3 -عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ: أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ؟ قَالَ:"نَعَمْ وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ" [7] .
(1) الشَّيْخُ، الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، المُجْتَهِدُ: عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ قُدَامَةَ، المَقْدِسِيُّ، مُوَفَّقُ الدِّيْنِ، أبو مُحَمَّدٍ، الحَنْبَلِيُّ، صَاحِبُ (المُغْنِي) وغيره من التصانيف، ولد سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، فِي شَعْبَانَ، وَكَانَ مِنْ بُحُوْرِ العِلْمِ، وَأَذكيَاءِ العَالَمِ، تُوُفِّي يَوْمَ السَّبْتِ، يَوْمَ الفِطْرِ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ، سَنَةَ عِشْرِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ. ينظر: سير أعلام النبلاء: (22/ 165) .
(2) المغني: (1/ 71) .
(3) أي لنا ما بقي، وجاء بهذا اللفظ في بعض الروايات.
(4) سبق تخريجه: (45) .
(5) ينظر: شرح فتح القدير: (1/ 114) .
(6) ينظر: المجموع: (1/ 226) .
(7) أخرجه الدارقطني في سننه، كتاب الطهارة، باب: ما جاء في سؤر الكلب والسنور وغيرهما من الحيوان، حديث رقم: (176) ، والبيهقي في الكبرى، كتاب الطهارة، باب: سؤر سائر الحيوانات سوى الكلب والخنزير، حديث رقم: (1178) . وقال:"وفي غير روايتنا قال الشافعي: وأَخبرنا عن ابن أبي ذئب عن داود بن الحصين بمثله".
قلت: وهذا السند منقطع بين ابن أبي ذئب والشافعي. وابن أبي ذئب توفي سنة ثَمَانٍ وَخَمْسِيْنَ وَمائَةٍ أو تِسْعٍ وَخَمْسِيْنَ، وللشافعي تسعة أعوام، وقال الشافعي:"ما فاتني أحد، فأسفت عليه ما أسفت على الليث بن سعد وابن أبي ذئب". انظر سير أعلام النبلاء: (7/ 144) .
كما أن داود بن الحصين لا يعرف له سماع من جابر، وإنما يروي عنه بواسطة، إما أبيه وإما غيره. انظر تهذيب الكمال: (8/ 379) .
وهو مختلف في توثيقه وتضعيفه، قال فيه ابن حجر:"ثقة إلا في عكرمة". تقريب التهذيب: (198/ 1779) .
وقال ابن عدي:"وداود هذا له حديث صالح، وإذا روى عنه ثقة فهو صحيح الرواية، إلا أن يروي عنه ضعيف فيكون البلاء منهم لا منه مثل ابن أبي حبيبة هذا وإبراهيم بن أبي يحيى". الكامل: (3/ 92) .
والحديث يروى عنه من هذين الطريقين: من طريق إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن أبيه، عن جابر.
وابن أبي يحيى متروك: تقريب التهذيب: (93/ 241) ، وابن أبي حبيبة ضعيف: تقريب التهذيب: (87/ 146) ، وحصين والد داود ضعيف أيضا. قال ابن حجر:"لين الحديث"، تقريب التهذيب: (171/ 1394) .
فطريق ابن أبي ذئب منقطعة، وفيها الحصين والد داود، وهو ضعيف. والطريقان الآخران ضعيفان كما تقدم، فالحديث ليس له إسناد قائم.
وضعفه النووي. ينظر المجموع: (1/ 226) .
قال البيهقي في المعرفة:"فَإِذَا ضَمَمْنَا هَذِهِ الْأَسَانِيدَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، أَخَذَتْ قُوَّةً، وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ" (2/ 67) .