فهرس الكتاب
والذي أحب أن أؤكّد عليه هنا هو صدق السّمع والطّاعة وقوّة الإمتثال لأوامر اللّه تعالى في المكرهِ والعسرِ إذِ الطّاعةُ فيما يحبُّ المرء هيّنة بعون اللّه.
وأكثر ما نحذر منه المعصية في الحرب فقد جرّبنا عاقبتها في غير ما موضع فكانت دائما سبباً لكثير من الويلاتْ.
فهذا رسول اللّه صلّـے اللّه عليه وسلّم في جيش الصّحابة في أُحدٍ قد حدّد لكلّ طائفة من الجند مكانها ووضع الرُّماة في مكان به يحمون ظهورهم من أي التفاتٍ للعدو أو تقدم يلوح في الأفق، وقال لهم وبكلّ وضوحٍ: (( احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نُقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا فلم يعِ الرُّماة نصيحة رسول اللّه صلّـے اللّه عليه وسلّم وكانت النتيجة هزيمة للمسلمين ومقتلةً عظيمة بسبب معصية طائفة من الجيش على الرّغم من نصيحة أميرهم وتحذيره إياهم.
فدلّ على أن المعصية العسكرية عاقبتها سريعة، وأي اجتهادٍ من الجند منفرد يخالف اجتهاد الأمير وإن كان ظاهره الحُسن والصّلاح هو خطأُ كبير وفتح لباب من الشرّ عظيم. فالجندي يتعبّد الله بطاعة أميرهِ ما لم يُؤمر بمعصيةٍ شرعية.
أما الاجتهاد الحركي العسكري فهو حق خالصٌ للأمير لا ينبغي الخروج عنه إلا من واجب النصح، لأن القاعدة تقول:"إنّ رأي الإمام أو الأمير لا يجوز نقضه برأي آحاد المسلمين فيما ينفرد بالنظر فيه".إنتهى.
وانظر يا عبد الله إلى نعمةِ السّمع والطّاعة في العُسر والكَرَب، فهذا رسول اللّه صلّـے اللّه عليه وسلّم ندَب المسلمين المجروحين في أُحُد على ما فيهم من الجراح والآلام لمّا علم أنّ أبا سفيان يريد أن يعود ليقضي على بقية الجيش الإسلامي فاستجابوا طاعةً للّه ورسوله. قال الله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} .