فهرس الكتاب
ففي الأحاديث السابقة ما أكدناه عن حالة الجيش النبوي وضعف تمويله, وفيه أنهم استحبوا للإمام أن يُطيب خاطر الناس ولو بالكلمة الطيبة حتى يُعطوا ما بأيديهم عن طيب نفس في أوقات الشدة أو يعدهم بثمنه حال اليسر وإلا فله أن يجبرهم على ذلك إذا كانت ضرورة كما سبق في كلام المهلب رحمه الله, وخاصة أن حديث جابر والحديثين السابقين ليس فيهما إلا الأمر بالفعل ولا أثر للكلام عن الثمن. هذا وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفعل في الحضر والسفر فقال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين:"إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قلّ طعام عيالهم في المدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية, فهم مني وأنا منهم".
مما سبق يتضح جرم من دنت نفسه وخبثت طبيعته فعمد إلى مال الله وأخذ منه وعنده فضلُ زادٍ خاص به في وقت حاجةٍ ألمَّت بإخوانه وأُسَرهم وخاصة الأسرى و الشهداء, فلا هو جادَ بماله واقتسمه مع أهل العوز من إخوانه ولا ترك لهم ما يسد رمقهم فاحتال لذلك بكل حيلة, كل ذلك تحت تأثير ضعف اليقين وأنه يريد أن يترك رزقاً لعياله من بعده ولا يتعرضون لمآسٍ وجدها عند غيرهم, ألا تعست النفس الدنيئة! فعمن ابن عمر رضي الله عنه قال:"خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخل بعض حيطان الأنصار فجعل يلتقط من التمر ويأكل فقال لي:"يا ابن عمر مالك لاتأكل؟"قلت:"يا رسول الله لا أشتهيه", قال:"لكني أشتهيه وهذه صُبحُ رابعةٍ لم أذق طعاماً ولم أجده ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر, فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبؤون رزق سنتهم و يضعف اليقين"."