فاحرص أيها المجاهد على الشهادةِ في هذا الشهر الكريم , وإياكَ إياكَ أن تحسب أن الشهادة لقطة لا قيمة لها , بل هي كنزٌ عظيم لا يناله إلا ذو حظٍ عظيم، ووسام شرف لا يناله إلا من ارتفع إلى درجة عالية , ثم اعلم أن الطريق إلى الجنة لا مكان فيه للعاجزين الخائفين الجبناء وإنما يسلكه الشجعان الشرفاء، شرفاء النفس والدين الذين باعوا أنفسهم لله وفي سبيل الله , فهو طريقُ جدٍ واجتهاد وتعبٍ ونصب , تزهق فيه الأنفس ويتلف فيه المال , ولكن رويدك أيها القاعد الحريص على الذل من العيش فإنك لست مخيراً في أمرك بين أن تكون وسط الرجال أو مع النساء والصبيان , أم تصنع من الحديد سلاحاً أو تصغ منه لنفسك أسورة وخلخالاً!
فصغ ما كنت حليت به سيفك خلخالاً
وما تصنع بالسيف إذا لم تكُ قتَّالاً؟
فالجهاد فرض عَين على كل مسلم قادرٍ ليس به عذر , فقد صرَّح العلماء أنه يصير فرض عين في مواطن عديدة , واحدة منها تكفي فكيف إذا اطبقت علينا جميعها كما هو الحال في بلاد الرافدين؟! فهل يترك المسلم أرضه والعدو في داره يهتك عرضه ويسرق ماله ويقتل ولده؟ وهذا فضلاً على أنه لا يجوز في الدين فهو مما تستقذره النفوس السوية , ويدخل فيه عدم السفر عند دفع الصائل كما هو الحال في بلاد الرافدين سواء أكان السفر مباحاً أو مستحباً كالعمرة أو واجباً كالحج، فمن القواعد أنه لو تعارض واجبان قُدم آكدهما وما يضيق به الوقت , فلا شكّ أن دفع الصائل على الدين والعرض لا يتحمل التأجيل بينما الحج واجبٌ موسع وقته فيتقدم ما كان واجباً على الفور أي الجهاد، على الواجب على التراخي أي الحج، بل يُقدم على وفاء الدَّين الذي حلَّ أجله كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.