فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 3505

قواعد في ترشيد الخلاف من كلام شيخ الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فهذه قواعد عظيمة في فهم الخلاف وأسس التعامل المشروعة بين المختلفين.

• هناك قضيتان أساسيتان في فهم الخلاف وآثاره:

الأولى: في إمكان وجود الخلاف وذلك لاختلاف الناس في مداركهم وفهمهم، إذن لا بد أن نهيأ عقولنا وأنفسنا لقبول الخلاف السائغ وفق الضوابط الشرعية وأدب السلف

والثانية: أن موضع الانزلاق فيه هو البغي. يقول تعالى: (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) ، (فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) .

وخلاصة تعريف البغي تدور حول تجاوز الحد المشروع في التعامل مع الخلاف، لذا فالواجب على المسلم تحديد القدر الشرعي المناسب للتعامل مع القضية الخلافية المحددة وعدم تجاوزه، وإلا وقع في البغي المنهي والمنذر بالتفرق الممزق للأمة!

• الحذر من منزلق تأثيم المخالف بالخطأ:

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية مبينا أن أهل السنة لا يؤثمون الآخرين بالخطأ (مجموع الفتاوى 35/ 69 - 70) : فأما الصديقون والشهداء والصالحون فليسوا بمعصومين، وهذا في الذنوب المحققة، وأما ما اجتهدوا فيه: فتارة يصيبون، وتارة يخطئون، فإذا اجتهدوا فأصابوا فلهم أجران، وإذا اجتهدوا وأخطأوا فلهم أجر على اجتهادهم، وخطؤهم مغفور لهم. وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين، فتارة يغلون فيهم، ويقولون: إنهم معصومون، وتارة يجفون عنهم، ويقولون: إنهم باغون بالخطأ. وأهل العلم والإيمان لا يعصمون، ولا يؤثمون. ومن هذا الباب تولد كثير من فرق أهل البدع والضلال. أهـ

وقد يكون هذا الاجتهاد الخاطئ في مسألة عقديه يخالف فيه المجتهد اعتقاد الفرقة الناجية فيقول (مجموع الفتاوى: 3/ 179) : وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكًا فإن المنازع قد يكون مجتهدًا مخطئًا يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته. أهـ

ويبين أيضا أن المخالف للكتاب والسنة قد يكون مجتهدا معذورا فيقول (مجموع الفتاوى: 13/ 65) :فلما طال الزمان خفي على كثير من الناس ما كان ظاهرًا لهم، ودق على كثير من الناس ما كان جليًا لهم، فكثر من المتأخرين مخالفة الكتاب والسنة ما لم يكن مثل هذا في السلف وإن كانوا مع هذا مجتهدين معذورين يغفر الله لهم خطاياهم، ويثيبهم على اجتهادهم. وقد يكون لهم من الحسنات ما يكون للعامل منهم أجر خمسين رجلًا يعملها في ذلك الزمان، لأنهم كانوا يجدون من يعينهم على ذلك، وهؤلاء المتأخرون لم يجدوا من يعينهم على ذلك. أهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت