ذلك أن من العلماء من يكون قصده متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن قد يتأول مجتهدًا فيخطئ، فهذا لا يكفر ولا يفسق سواء ذلك في المسائل العملية أو العلمية، ومن خالف هذا المنهج فإنما يتبع مسالك أهل البدع المفرقين للأمة كما يقول ابن تيمية (منهاج السنة: 3/ 60) :إن المتأول الذي قصدهُ متابعةُ الرسول صلى الله عليه وسلم لا يُكَفَّر بل ولا يُفَسَّق إذا اجتهد فأخطأ، وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية، وأما مسائل العقائد فكثير من الناس كفّروا المخطئين فيها، وهذا القول لا يُعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا يُعرف عن أحد من أئمة المسلمين، وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع، الذين يبتدعون بدعة، ويكفرون من خالفهم، كالخوارج والمعتزلة والجهمية. أهـ
ويقول ابن تيمية في حق من جهل بعض أمور الإيمان لأمر يعذر به (مجموع الفتاوى: 12/ 494) :فمن كان قد آمن بالله ورسوله، ولم يعلم بعض ما جاء به الرسول، فلم يؤمن به تفصيلًا: إما أنه لم يسمعه، أو سمعه عن طريق لا يجب التصديق بها، أو اعتقد معنى آخر لنوع من التأويل الذي يعذر به، فهذا قد جعل فيه من الإيمان بالله وبرسوله، ما يوجب أن يثيبه الله عليه، وما لم يؤمن به فلم تقم عليه به الحجة التي يكفر مخالفها. وأيضًا فقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن من الخطأ في الدين، ما لا يكفر مخالفه، بل ولا يفسق، بل ولا يأثم، مثل الخطأ في الفروع العملية. أهـ
خاصة إذا كان الخلاف في دقائق العلم فإن الخطأ فيه مغفور بإذن الله ولو كان في المسائل العلمية، والتاريخ يعلمنا أن كثيرًا من فضلاء الأمة لهم كبوات في ذلك يعذرون بها، يقول ابن تيمية (مجموع الفتاوى: 20/ 165 - 166) :ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة. وإذا كان الله يغفر لمن جهل تحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل، مع كونه لم يطلب العلم، فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول بحسب إمكانه هو أحق بأن يتقبل الله حسناته، ويثيبه على اجتهاداته، ولا يؤاخذه بما أخطأ، تحقيقًا لقوله: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) . وأهل السنة جزموا بالنجاة لكل من اتقى الله تعالى، كما نطق به القرآن، وإنما توقفوا في شخص معين لعدم العلم بدخوله في المتقين. أهـ
بل ربما يكون الخلاف في حل أمور أو تحريمها بخلاف المعلوم عند المسلمين بسبب تأول النصوص باجتهاد مخطئ كما قال ابن تيمية (مجموع الفتاوى: 35/ 75) :وكل من كان باغيًا أو ظالمًا أو معتديًا أو مرتكبًا ما هو ذنب فهو قسمان: متأول وغير متأول، فالمتأول المجتهد: كأهل العلم والدين الذين اجتهدوا واعتقد بعضهم حل أمور، واعتقد الآخر تحريمها، كما استحل بعضهم بعض أنواع الأشربة، وبعضهم بعض المعاملات الربوية، وبعضهم بعض عقود التحليل والمتعة، وأمثال ذلك، فقد جرى ذلك وأمثاله من خيار السلف. فهؤلاء المتأولون المجتهدون غايتهم أنهم مخطئون، قد قال تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) وقد ثبت في الصحيح أن الله استجاب هذا الدعاء. أهـ
والباغي على المسلمين كذلك، قد يكون متأولًا أو غير متأول، فإن كان متأولًا مجتهدًا (أي قد استفرغ جهده في معرفة الأمر المختلف فيه) واعتقد أنه على الحق لا يأثم ولا يفسق، وإن كان يقاتل لدفع ضرره، أما لو كان غير متأول فغاية الأمر أن يكون مذنبًا، والذنوب قد تزول