فهرس الكتاب
عقوبتها بأسباب متعددة كما هو معلوم، فهل يجوز للمسلم بعد ذلك أن يستبيح الترامي بألفاظ الفسق والتأثيم بين المسلمين لخطأ في اجتهادهم، يقول ابن تيمية (مجموع الفتاوى: 35/ 76) :أما إذا كان الباغي مجتهدًا متأولًا، ولم يتبين له أنه باغ، بل اعتقد أنه على الحق وإن كان مخطئًا في اعتقاده لم تكن تسميته (باغيًا) موجبة لإثمه، فضلًا عن أن توجب فسقه. والذين يقولون بقتال البغاة المتأولين، يقولون مع الأمر بقتالهم: قتالنا لهم لدفع ضرر بغيهم لا عقوبة لهم، بل للمنع من العدوان، ويقولون: إنهم باقون على العدالة لا يفسقون. ويقولون: هم كغير المكلف، كما يمنع الصبي والمجنون والناسي والمغمى عليه والنائم من العدوان أن لا يصدر منهم، بل تمنع البهائم من العدوان. ويجب على من قتل مؤمنًا خطأ الدية بنص القرآن مع أنه لا إثم عليه في ذلك. وهكذا من رفع إلى الإمام من أهل الحدود وتاب بعد القدرة عليه فأقام عليه الحد، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والباغي المتأول يجلد عند مالك والشافعي وأحمد ونظائره متعددة، ثم بتقدير أن يكون (البغي) بغير تأويل: يكون ذنبًا والذنوب تزول عقوبتها بأسباب متعددة: بالحسنات الماحية والمصائب المكفرة، وغير ذلك. أهـ
• ضبط التعامل مع الخلاف بالحرص على الوحدة والجماعة والألفة والأخوة:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مبينا أن بعثة الرسول قد جمعت بين القلوب (مجموع الفتاوى: 24/ 170 - 171) :إن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكان قد بُعث إلى ذوي أهواء متفرقة وقلوب متشتتة وآراء متباينة فجمع به الشمل وألف به بين القلوب وعصم به من كيد الشيطان. ثم إنه سبحانه وتعالى بيّن أن هذا الأصل - وهو الجماعة - عماد لدينه ... وقد كره النبي صلى الله عليه وسلم من المجادلة ما يفضي إلى الإختلاف والتفرق. أهـ
ثم بين منهج الصحابة رضي الله عنهم عند اختلافهم وتنازعهم، حيث كانوا يتناظرون ولكن مع بقاء الألفة وأخوة الدين، فيقول (مجموع الفتاوى:24/ 172 - 173) :فوصف الفرقة الناجية بأنهم المستمسكون بسنته، وأنهم هم الجماعة، وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ،وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولهم في المسالة العلمية والعملية، مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين. أهـ
ثم بين أنه لو سُمح للمسلمين أن يتهاجروا مع كل خلاف فإنه لن يبقى بينهم أي أخوة فقال (مجموع الفتاوى: 24/ 173 - 174) : وأما الإختلاف في الأحكام فاكثر من أن ينضبط، ولو كان كل ما اختلف مسلمان في شئ تهاجرا، لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة، ولقد كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما سيدا المسلمين يتنازعان في أشياء لا يقصدان إلا الخير، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم بني قريظة: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) فأدركتهم العصر في الطريق، فقال قوم: لا نصلي إلا في بني قريظة، وفاتتهم العصر. وقال قوم: لم يُرد منا تأخير الصلاة، فصلوا في الطريق، فلم يعب واحدًا من الطائفتين) وأخرجاه في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وهذا وإن كان في الأحكام فما لم يكن من الأصول المهمة فهو ملحق بالأحكام. أهـ