فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 3505

ويبين شيخ الإسلام خطأ البعض عندما يقاطعون أهل المعاصي عند حلول الخطب العام الذي يهدد أصل الدين عند الجميع، ففي هذا الحال يجب جهاد الكفار مع كل أمير أو طائفة هي أولى بالإسلام منهم ولو كان فيهم بعض المعاصي، دون أن يطيعهم في معصية الله، وهذه هي الطريقة الصحيحة الوسطى بين مسلك الخوارج ذوي الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم ومسلك الذين يطيعون الأمراء في كل أمر، يقول ابن تيمية (مجموع الفتاوى: 28/ 508) :إن الطريقة الوسطى التي هي دين الإسلام المحض، جهاد من يستحق الجهاد - كهؤلاء القوم المسئول عنهم - مع كل أمير وطائفة هي أولى بالإسلام منهم، إذا لم يمكن جهادهم إلا كذلك، واجتناب إعانة الطائفة التي يغزو معها على شيء من معاصي الله. بل يطيعهم في طاعة الله، ولا يطيعهم في معصية الله. إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديمًا وحديثًا، وهي واجبة على كل مكلف. وهي متوسطة بين طريق الحرورية وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم، وبين طريقة المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقًا وإن لم يكونوا أبرارا. أهـ

ويقول في بيان معان عديدة تدور حول تأليف القلوب واجتماع الكلمة وصلاح ذات البين والمحبة والتماس العذر للمسلمين والتعاون على البر والتقوى (مجموع الفتاوى: 28/ 51 - 56 بمقاطع مختارة) :وتعلمون أن من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين: تأليف القلوب، واجتماع الكلمة وصلاح ذات البين، فإن الله تعالى يقول: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) . وقال: وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف، وتنهى عن الفرقة والاختلاف، وأهل هذا الأصل: هم أهل الجماعة، كما أن الخارجين عنه هم أهل الفرقة، وجماع السنة: طاعة الرسول. وقال: وتعلمون رضي الله عنكم إني لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين - فضلًا عن أصحابنا - بشئ أصلًا: لا باطنًا ولا ظاهرًا. ولا عندي عتب على أحد منهم ولا لوم أصلًا. بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان، كل بحسبه، ولا يخلو الرجل: إما أن يكون مجتهدًا مصيبًا، أو مخطئًا، أو مذنبًا، فالأول: مأجور مشكور، والثاني: مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه مغفور له، والثالث: فالله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين. وقال: وتعلمون أنا جميعًا متعاونون على البر والتقوى، واجب علينا نصر بعضنا البعض أعظم مما كان وأشد. وقال: وأهل القصد الصالح يشكرون على قصدهم، وأهل العمل الصالح يشكرون على عملهم، وأهل السيئات نسأل الله أن يتوب عليهم. أهـ

ويقول مبينا ما يجب بين المؤمنين من الأخوة والموالاة والنصرة والتراحم والتعاطف والائتلاف وما ينهون عنه من الفرقة والإختلاف (مجموع الفتاوى: 3/ 419 - 421) :وقد جعل الله فيها عباده المؤمنين بعضهم أولياء بعض، وجعلهم أخوة، وجعلهم متناصرين متراحمين متعاطفين، وأمرهم سبحانه بالائتلاف، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف، فقال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) ، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ) فكيف يجوز مع هذا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تفترق وتختلف حتى يوالي الرجل طائفة، ويعادي طائفة أخرى بالظن والهوى بلا برهان من الله تعالى، وقد برأ الله نبيه صلى الله عليه وسلم ممن كان هكذا. فهذا فعْل أهل البدع كالخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين، واستحلوا دماء من خالفهم، وأما أهل السنة والجماعة فهم معتصمون بحبل الله، وأقل ما في ذلك أن يفضل الرجل من يوافقه على هواه، وإن كان غيره أتقى لله منه، وإنما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت