فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 3505

افتراقا في الكلمة ولا تبديدا للشمل، فإن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في مسائل كثيرة من مسائل الفروع .... فلم ينصب بعضهم لبعض عداوة ولا قطع بينه وبينه عصمة بل كانوا كل منهم يجتهد في نصر قوله بأقصى ما يقدر عليه ثم يرجعون بعد المناظرة إلى الألفة والمحبة والمصافاة والموالاة من غير أن يضمر بعضهم لبعض ضغنا ولا ينطوي له على معتبة ولا ذم بل يدل المستفتي عليه مع مخالفته له ويشهد له بأنه خير منه وأعلم منه، فهذا الاختلاف أصحابه بين الأجرين والأجر وكل منهم مطيع لله بحسب نيته واجتهاده وتحريه الحق. أهـ

• الاعتذار لأهل الفضل عما وقعوا فيه من خطأ عن اجتهاد:

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مبينا ضرورة التماس العذر لمن أخطأ في الدين، إذ ليس كل ما قاله الرسول يعلمه كل الناس ويفهمونه (موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، على هامش منهاج السنة 1/ 222) :يجعلون كلام الله ورسوله هو الأصل الذي يعتمد عليه، وإليه يرد ما تنازع الناس فيه، فما وافقه كان حقًا، وما خالفه كان باطلًا، ومن كان قصده متابعته من المؤمنين، وأخطأ بعد اجتهاده الذي استفرغ به وسعه، غفر الله له خطأه، سواء كان خطؤه في المسائل العلمية الخبرية أو المسائل العملية، فإنه ليس كل ما كان معلومًا متيقنًا لبعض الناس، يجب أن يكون معلومًا متيقنًا لغيره، وليس كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه كل الناس ويفهمونه، بل كثير منهم لم يسمع كثيرًا منه، وكثير منهم قد يشتبه عليه ما أراده، وإن كان كلامه في نفسه محكمًا مقرونًا بما يبين مراده. أهـ

بل كثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة لعذر يعذرون به، وفيهم يقول ابن تيمية (مجموع الفتاوى: 19/ 191 - 192) :وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها ما لم يُرَدْ منها، وإما لرأي رَأوْه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم، وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله تعالى) رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وفي الصحيح أن الله قال: [قد فعلت] .أهـ

ويقول مؤكدا هذا المنهج (الصفدية: 1/ 265) :لكن شيوخ أهل العلم الذين لهم لسان صدق، وإن وقع في كلام بعضهم ما هو خطأ منكر، فأصل الإيمان بالله ورسوله إذا كان ثابتًا، غفر لأحدهم خطأه الذي أخطأه بعد اجتهاد. أهـ

إذ ليس من شرط الصديق أن يكون عمله كله صحيحا ولا قوله كله سنة، بل قد يخطيء، وعلينا التماس العذر له مع بيان الصواب الذي نعتقده، يقول ابن تيمية (اقتضاء الصراط المستقيم: 2/ 599) :وإن كان كثير من العباد والعلماء بل والأمراء قد يكون معذورا فيما أحدث لنوع اجتهاد فالغرض أن يعرف الدليل الصحيح وإن كان التارك له قد يكون معذورا لاجتهاده بل قد يكون صدِّيقًا عظيمًا، فليس من شرط الصدِّيق أن يكون قوله كله صحيحًا، وعمله كله سنة.

• إنصاف المخالف من العدل المأمور به شرعا:

من الإنصاف أن يعلم أن الرجل قد يجتمع فيه الحسنات والسيئات، فإذا ما توجه الذم إلى ما تضمنه من السيئات فإنه ينبغي أن لا يغفل عن النوع الآخر، وفي ذلك يقول ابن تيمية (مجموع الفتاوى: 10/ 364 - 366) : وهذا أصل عظيم: وهو أن تعرف الحسنة في نفسها علمًا وعملًا، سواء كانت واجبة أو مستحبة، وتعرف السيئة في نفسها علمًا وقولًا وعملًا، محظورة كانت أو غير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت