فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 3505

محظورة -إن سميت غير المحظورة سيئة- وأن الدين تحصيل الحسنات والمصالح، وتعطيل السيئات والمفاسد، وأنه كثيرًا ما يجتمع في الفعل الواحد، أو في الشخص الواحد الأمران، فالذم والنهي والعقاب قد يتوجه إلى ما تضمنه أحدهما، فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر. كما يتوجه المدح والأمر والثواب إلى ما تضمنه أحدهما، فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر، وقد يمدح الرجل بترك بعض السيئات البدعية والفجورية، لكن قد يسلب مع ذلك ما حمد به غيره على فعل بعض الحسنات السنية البرية. فهذا طريق الموازنة والمعادلة، ومن سلكه كان قائمًا بالقسط الذي أنزل الله له الكتاب والميزان. أهـ

ويقول مقررا قاعدة العدل والقسط مع المخالفين كائنا من كانوا (منهاج السنة: 2/ 342، طبعة جامعة الإمام) : والله قد أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق، ولا نقول عليه إلا بعلم، وأمرنا بالعدل والقسط، فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني، فضلًا عن الرافضي، قولًا فيه حق أن نتركه أو نرده كله، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق. أهـ

• العلم بموارد الإجماع وموارد الاجتهاد أو بالثوابت والمتغيرات:

إن ما يقال عن أسباب الخلاف سواء في ثبوت النص أو في دلالته، معظمه يدور في فلك الاجتهاد الذي لا يعاب فيه على المخالف إذا كان خلافه قد صدر عن اجتهاد صحيح أو سائغ، وبالتالي فإن التمييز بين موارد الإجماع التي لا يعذر فيها المخالف وموارد الاجتهاد التي يعذر فيها، يعد أمرا ضروريا لكل من تصدى لمواضع الاختلاف كي لا يقع في أعراض العلماء والمسلمين بمجرد مخالفتهم لاختياراته العلمية أو العملية، ذلك حتى يعذرهم فيما كان من موارد الاجتهاد أو يرد عليهم بأدب السلف فيما كان مجمعا عليه لكنهم أخطأوا فيه.

• وقفة مع الإختلاف في تقدير أحكام السياسات الشرعية:

هذه القضية تندرج تحت باب الموازنة بين المصالح والمفاسد ولكنها تمثل أحد أبواب الخلاف الواسع بين المسلمين في زماننا وبخاصة عندما يتولون بعض المسئوليات في السياسة والحكم أو عندما يقتربون منها، حيث تتوالى عليهم صيحات التحذير والاتهام من كل مكان، ولا جرم أن بعض هذه الصيحات ضرورة ملحة (خاصة إذا كانت من المخلصين) لكي يتبين المتصدون لهذا الأمر من صواب اجتهاداتهم، لأن هذا الموقع هو مزلة أقدام تضيع معه كثير من المبادئ.

والاجتهاد في أبواب السياسات الشرعية فيه كثير من التعقيدات، وذلك للحقائق التالية:

1.النصوص الشرعية في هذا الباب جاءت عامة مجملة ومحدودة، لكنها تحمل في ثناياها القواعد العامة الضابطة والموجهة لهذا الباب، وهذا يعني أنها ستكون موضع طيف واسع من الاجتهادات كي يستنبط منها ما يناسب الوقائع الكثيرة المتجددة، ولا ريب أن هذه الاجتهادات سيتطرق إليها الاختلاف بشكل واسع!

2.وكذلك فإن الوصول لهذه الأحكام الفرعية التفصيلية يقتضي واقعًا معاشًا يتطلب مثل هذه الأحكام من جانب، ويتطلب أيضا عقولًا لبيبة فطنة تجمع بين فقه النصوص ومقاصدها مع فقه الواقع وتعقيداته من جانب آخر، وبهذا التفاعل بين النصوص والواقع عبر تلك العقول تتوالد الأحكام الشرعية التفصيلية لهذا الباب. إذن فمجالات الاجتهادات فيه كثيرة ومتشعبة جدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت