فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 3505

3.فإذا ما علمنا أن أحكام هذا الباب وتجددها مع متطلبات الواقع يقتضي المواكبة والتواصل، لأن كثيرًا منها أحكام تراكمية هذا من جانب، ومن جانب آخر فالكل يعلم أن هذا التفاعل وهذا التوالد لأحكام السياسات الشرعية قد توقف منذ سقوط الخلافة العثمانية، وهذا يعني أن بيننا وبين زمان التفاعل ذاك مساحة كبيرة من الأحداث توقف فيها توالد فقه السياسات الشرعية المواكبة للعصر، وبالتالي فإن النهوض من هذه الكبوة لا نقول أنه يحتاج لتغطية تلك المساحة الكبيرة، ولكن على الأقل تجسيرها ضمانًا للانتقال السليم من ذلك الجانب إلى واقعنا الحالي.

ومما يزيد الأمر تعقيدًا أن مسار الأحداث على هذه البسيطة قد ازداد تعقيدًا خلال العقود الأخيرة بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية كله، وفي كافة الميادين. فانظر إليه في جانب العلاقات بين الدول حيث تسيطر الآن مفاهيم جديدة تحتاج لفقه جديد، وانظر إليه في الجانب الاقتصادي وعولمة الاقتصاد، وانظر إليه في الجانب العسكري والجانب الاستخباراتي والجانب المعلوماتي والإعلامي وغير ذلك كثير، وكلها ميادين تتطلب اجتهادات جديدة ومعقدة تعالج واقعًا تشتبك فيه المصالح والمفاسد بشكل معقد لم يسبق له مثيل في التاريخ.

إذًا فالأمر أعقد مما يتصور، ويحتاج لفقه عميق يجب أن لا نظلم فيه أنفسنا، ولا نظلم فيه أمتنا، ولا نظلم فيه إخواننا.

ولأجل إحياء هذا الفقه فإن الأمر يتطلب كثيرا من البحث والنظر والاجتهاد يقوم به العلماء الواعون لهذه القضية، ومن ذلك:

• تحديد الثوابت الشرعية الحاكمة على فقه هذا الميدان.

• تحديد مواضع الاجتهاد التي يسع العالم المسلم الاجتهاد فيها.

• تحديد الضوابط الشرعية الموجهة لهذا الاجتهاد.

• تحديد الكثير من التكييفات الفقهية للوقائع الجزئية التي تجددت خلال غياب الأمة عن واقع الأحداث وربطها بكلياتها الشرعية تمهيدًا لإعمال النظر الاجتهادي فيها.

وبالتالي فإنه مع عدم التكامل العلمي لهذه الجوانب فإن هذا الميدان مرشح لأن يبقى مصدرًا متواصلًا للخلط والفتنة بين المسلمين.

• الموازنة بين حق الأمة في التوحد وحقها في بيان العلم وعدم كتمانه:

ومن ذلك ما قاله تعالى مبينا ما دار بين موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام لما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا عندما عبدوا العجل: (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) ، وإنما كان قول موسى له هو ما بينه الله تعالى في سورة الأعراف في قوله: (وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِين) حيث يفهم من آيات السورتين ما يلي:

أ- أمر موسى أخاه هارون عليهما الصلاة والسلام أن يخلفه في قومه، أي أن يكون بموقع موسى بينهم من القيادة والإصلاح والتوجيه.

ب- بعد ذهاب موسى عليه الصلاة والسلام اتخذ قومه من حليهم عجلًا جسدًا له خوار فوقعوا في الشرك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت